رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

فراعنة من؟.. كتاب يبحث في كواليس تاريخ حفظ آثار مصر

كتاب فراعنة من؟
كتاب فراعنة من؟

يقدم كتاب "فراعنة من؟.. علم الآثار والمتاحف والهوية القومية المصرية من حملة نابليون حتى الحرب العالمية الأولى" للمؤرخ الأمريكي دونالد مالكولم ريد، وترجمة المؤرخ المصري الراحل رءوف عباس، مراجعة تاريخية بالغة الأهمية لعلم المصريات. 

فالكتاب يتجاوز التأريخ التقليدي الذي يقتصر على تسجيل الاكتشافات المبهرة، ليغوص في عمق الصراع السياسي والمعرفي حول "ملكية الماضي" وكيف أسهمت الآثار في تشكيل الوعي الوطني.

الهيكل التحريري والزمني للكتاب

صدر الأصل الإنجليزي للكتاب عن دار نشر جامعة كاليفورنيا عام 2002، وصدرت ترجمته العربية عام 2005، ويتوزع المحتوى على بابين رئيسيين يرصدان تحولات مصر السياسية والأثرية:

ينطلق الباب الأول المعنون بـ "البدايات الإمبريالية والوطنية: 1798–1882" من الحملة الفرنسية وفك رموز الهيروغليفية، ويركز على تشكل الوعي الأثري المبكر ومحاولات محمد علي لحماية الآثار، بينما يمتد الباب الثاني "ظهور الإمبريالية وفجر الوطنية: 1882–1914" من فترة الاحتلال البريطاني حتى الحرب العالمية الأولى، راصداً نشأة المؤسسات والقوانين وصعود الرواد المصريين.

الفكرة المركزية.. صراع المعرفة والسلطة

يقوم الكتاب على فكرة محورية وهي أن علم الآثار في مصر نشأ في مشتبك معقد بين السلطة الإمبريالية والوعي الوطني، فبينما كانت البعثات الأوروبية والقناصل يتعاملون مع الآثار كمادة للاقتناء والالتقاط وإثراء المتاحف الغربية، كانت مصر تبني جهازها الإداري وتكتشف ذاتها تاريخيا.

يعيد ريد ترتيب الرواية التاريخية؛ فبدلا من منح البطولة المطلقة للأجانب مثل شامبليون ومارييت وماسبيرو وبتري، يفتح الكتاب مساحة واسعة للجهود المصرية التي ناضلت لانتزاع حق إدارة هذا التراث وحمايته داخل حدود الوطن.

محطات ومقارنات تاريخية فارقة

  • الطهطاوي وشامبليون (توازي القراءة): في البدايات، يضع المؤلف العالم الفرنسي شامبليون (الذي فتح النصوص المصرية القديمة للغرب) في كفة موازية للشيخ رفاعة الطهطاوي (الذي فتح باب الاهتمام بتاريخ مصر القديمة أمام القارئ العربي)، كما يبرز دور الجبرتي كشاهد عيان، وقرارات محمد علي المبكرة لمنع تهريب "العاديات" كبداية لوعي الدولة بقيمة تراثها الرمزي.
  • مصلحة الآثار ومتحف بولاق: يرصد الكتاب عام 1858 كحلقة مفصلية حين عين أوجست مارييت مأمورا للأنتيكات وتأسس متحف بولاق، ويكشف كيف استخدم الخديو إسماعيل الآثار في المعارض الدولية كـ "دبلوماسية ثقافية" لتقديم مصر كدولة حديثة تجمع بين المجد الغابر والمستقبل الواعد.
  • تحول التبعية الإدارية: يستعرض الكتاب التطور التشريعي للآثار من خلال تتبع تبعية "مصلحة الآثار" لوزارات الدولة عبر العقود، حيث ألحقت عام 1883بـ وزارة الأشغال العمومية باعتبارها ملفا عمرانيا ومرفقيا، ثم انتقلت عام 1929 إلى وزارة المعارف لربطها بالتعليم والوعي، واستقرت عام 1958في وزارة الثقافة والإرشاد القومي باعتبارها ركيزة أساسية للهوية.

الرواد المصريون وتعدد طبقات الهوية

تكمن قيمة الكتاب في توثيقه لمعركة الجيل التخصصي الأول من المصريين الذين واجهوا الاحتكار الأجنبي لعلم المصريات، مستعرضا عدة أسماء بارزة شكلت الوعي المتكامل للهوية:

  • أحمد كمال: الرائد الأبرز الذي حوّل علم المصريات من معرفة نخبوية أجنبية إلى قضية تعليمية ووطنية، ومات وهو يطالب بتدريب المصريين على إدارة آثارهم.
  • علي بهجت: الذي قاد الحفائر التاريخية في الفسطاط وأسس لمفهوم الآثار الإسلامية من خلال متحف الفن العربي.
  • مرقص سميكة: الذي جمع التراث القبطي وحماه من الاندثار بتأسيسه للمتحف القبطي.

يرى دونالد ريد أن الهوية المصرية لم تتشكل من زمن فرعوني وحيد، بل من طبقات متراكمة (فرعونية، يونانية، قبطية، وإسلامية) تلاحمت بجهود هؤلاء الرواد، لتتحول الآثار في النهاية من مجرد "أحجار صامتة" إلى رموز حية تتصدر الفنون، والعملات، والطوابع، والوجدان العام المصري.

تم نسخ الرابط