أول ميم في التاريخ، لقطة فرعونية عمرها 3500 عام
إذا كنت تعتقد أن الصور الساخرة و«الميمز» المنتشرة اليوم على منصات التواصل الاجتماعي هي اختراع حديث ولد مع الإنترنت، فإن جدران المعابد المصرية القديمة قد تدفعك إلى إعادة النظر في الأمر.
فقبل أكثر من ثلاثة آلاف وخمسمائة عام، ترك الفنانون المصريون القدماء مشهداً أثار فضول المؤرخين والأطباء وعشاق الفكاهة على حد سواء، حتى وصفه البعض بأنه ربما يكون أقرب ما عرفه التاريخ من «ميم» فرعوني مبكر.

تعود القصة إلى البعثة التجارية الشهيرة التي أرسلتها الملكة حتشبسوت إلى بلاد بونت خلال الأسرة الثامنة عشرة، وهي المنطقة التي يرجح الباحثون أنها كانت تقع في القرن الأفريقي، بالقرب من الصومال أو إريتريا الحالية. وكانت البعثة تهدف إلى جلب البخور وأشجار المر والعاج والأخشاب الثمينة والذهب، في واحدة من أهم الرحلات التجارية التي وثقتها مصر القديمة.
مشاهد البعثة المنقوشة على جدران معبد الدير البحري
لكن ما لفت الأنظار في مشاهد البعثة المنقوشة على جدران معبد الدير البحري بالأقصر، لم يكن البضائع النفيسة أو السفن الضخمة، بل صورة ملكة بلاد بونت، المعروفة باسم «أتي»، التي ظهرت بجسد ممتلئ للغاية وساقين متضخمتين بصورة غير معتادة، بينما وقف زوجها الملك باراهو بجوارها بجسد نحيل، في مشهد بصري يثير الانتباه حتى يومنا هذا.

ويرى عدد من الباحثين أن الملكة ربما كانت تعاني من حالة مرضية مثل الوذمة اللمفية أو اضطراب في توزيع الدهون، في حين يعتقد آخرون أن الفنان المصري القديم كان حريصاً على نقل الواقع كما شاهده بدقة شديدة، دون تجميل أو إخفاء للسمات الجسدية غير المألوفة.
كاريكاتير ام وصف دقيق؟
ورغم عدم وجود أدلة تؤكد أن الرسام قصد السخرية من ملكة بونت، فإن التباين الكبير بين هيئة الزوجين منح المشهد طابعاً قريباً من الكاريكاتير الحديث، وجعل البعض يشبهه بما يعرف اليوم بـ«الميم» أو الصورة الساخرة المتداولة على الإنترنت.

وربما تكمن أهمية هذا المشهد في أنه يكشف جانباً إنسانياً مختلفاً عن المصري القديم، الذي لم يكن مجرد ناسخ للطقوس الدينية أو ممجد للملوك، بل فناناً يملك عيناً دقيقة تلتقط التفاصيل الغريبة والاستثنائية وتسجلها بجرأة على جدران المعابد.
وبينما يواصل مستخدمو الإنترنت صناعة النكات والصور الساخرة كل يوم، يبدو أن المصريين القدماء سبقوا الجميع في توثيق لحظة بصرية طريفة بقيت حية في الذاكرة الإنسانية لأكثر من 35 قرناً.





