اتحاد الأثريين: جامع عمرو بن العاص يعد أول جامعة دينية وثقافية في تاريخ مصر
كشفت الدكتورة فاتن صلاح سليمان، عضو هيئة خبراء التراث العربي واتحاد الأثريين، عن حقائق تاريخية مثيرة حول جامع عمرو بن العاص، مؤكدة أن الشكل الحالي للمسجد يختلف تماما عن الهيئة البدائية التي أسس عليها، حيث مر برحلة تطور معماري مذهلة على مدار العصور الإسلامية المختلفة ليتوسع من مصلى صغير إلى واحد من أهم المنارات الدينية والعلمية في العالم الإسلامي.
وأوضحت الدكتورة فاتن أن المسجد في بداياته لم يكن يحتوي على العناصر المعمارية الشهيرة اليوم كالمآذن، المنابر، أو حتى الصحن الأوسط، بل كان يعكس بساطة العمارة الإسلامية الأولى قبل أن تطاله يد التوسعة والتجديد.
البداية المتواضعة.. مساحة صغيرة وجذوع النخيل
أشارت عضو هيئة خبراء التراث العربي إلى أن مساحة الجامع عند إنشائه كانت متواضعة جدا، حيث تقدر بنحو 50 ذراعا في 30 ذراعا (أي ما يعادل نحو 45 مترا في 27 مترا تقريبا)، وكان البناء في غاية البساطة؛ إذ كانت الأرضية مغطاة بالحصباء ومفروشة بالحصير، واستخدمت جذوع النخيل كأعمدة لدعمه، بينما كان سقفه منخفضا ومصنوعا من الجريد.
مسلمة بن مخلد.. صاحب أول توسعة ومؤسس المآذن
شهد المسجد أول توسعة وتجديد رسمي في تاريخه على يد الصحابي الجليل مسلمة بن مخلد الأنصاري، حيث زادت مساحته بشكل ملحوظ. وفي هذا العصر الأموي، دخلت المآذن إلى عمارة المسجد للمرة الأولى في تاريخه لترتفع الأصوات بالأذان من فوقها، تلا ذلك توسعة أخرى مهمة في عهد الوالي قرة بن شريك.
حريق الفسطاط.. رماد الصراع الفاطمي وإعادة البناء
مر الجامع بمنعطف تاريخي خطير عندما تعرض لأضرار بالغة أدت لتدمير أجزاء كبيرة منه إثر حريق الفسطاط الشهير، والذي اندلع نتيجة الصراع السياسي المحتدم بين الوزير الفاطمي ضرغام وشاور، ومع ذلك، أعيد بناء الجامع وتوسعته مجددا بعد خمود النيران ليتجاوز هذه المحنة التاريخية.
اللمسة العثمانية.. مراد بك يرسم الملامح الحالية
استمرت أعمال التطوير والترميم تتوالى على المسجد عبر العصور اللاحقة وصولا إلى العصر العثماني. وفي تلك الفترة، قاد المملوكي مراد بك حركة توسعة وإعمار كبرى داخل الجامع، أسهمت بشكل رئيسي في تشكيل الملامح المعمارية والجمالية الفخمة التي يشاهدها الزوار وال مصلون في الوقت الحاضر.
و شددت الدكتورة فاتن صلاح سليمان على أن جامع عمرو بن العاص لم يكن مجرد مكان لإقامة الصلوات، بل لعب دورا علميا وتنويريا بارزا عبر التاريخ؛ إذ يعتبر أول جامعة دينية تأسست في مصر، وظل لقرون منبرا رئيسيا لتدريس العلوم الشرعية، الفقه، واللغة العربية، وتخرج منه وتتلمذ في أروقته حشد كبير من كبار العلماء والفقهاء.


