دائرة أبراج دندرة.. أعظم خريطة سماوية تركها المصريون القدماء
في قلب معبد حتحور بدندرة، أحد أروع معابد العصر البطلمي، نُقش على سقف إحدى المقاصير أثر فريد يُعد من أشهر الشواهد الفلكية في تاريخ الإنسانية، وهو «دائرة أبراج دندرة» أو «زودياك دندرة»، ذلك النقش الدائري المذهل الذي يجسد السماء المصرية كما كانت تُرى في منتصف القرن الأول قبل الميلاد، في عهد كليوباترا السابعة.
دائرة أبراج دندرة.. أعظم خريطة سماوية تركها المصريون القدماء
ويبلغ قياس هذا النقش الاستثنائي نحو 253 × 255 سنتيمترًا، ويتميز بتكوينه الدائري النادر في الفن المصري القديم، ما جعله واحدًا من أهم الأعمال الفنية والعلمية التي تجمع بين العقيدة والفلك. وقد قام الفنان والرحالة الفرنسي فيفان دينون بنسخه عام 1802 ونشر رسوماته في كتابه الشهير رحلات في مصر السفلى والعليا، مما أسهم في ذيوع شهرته في أوروبا.
ويصور الزودياك الكواكب الخمسة المعروفة قديمًا، إلى جانب اثني عشر برجًا فلكيًا، ويُعتقد أنه يوثق أحداثًا سماوية مهمة، من بينها كسوف شمسي وقع في 7 مارس عام 51 ق.م، وكسوف قمري حدث في 25 سبتمبر عام 52 ق.م. كما تُحمل السماء في المشهد على أكتاف أربع سيدات يمثلن الجهات الأصلية الأربع، وتعاونهن ثماني آلهة راكعة برؤوس صقور، بينما تظهر في الإطار الخارجي ستة وثلاثون شكلًا تمثل «العشريات» التي قسمت السنة المصرية إلى فترات زمنية منتظمة.
وتتجلى في الدائرة رموز مصرية فريدة للأبراج والكوكبات؛ إذ يظهر الإله حابي ممثلًا لبرج الدلو، بينما تجسد الإلهة تاورت كوكبة التنين، في مزيج رائع بين المعتقدات الدينية والرصد الفلكي الدقيق.
وخلال القرن التاسع عشر، تعرض هذا الأثر لواحدة من أشهر وقائع تهريب الآثار المصرية، حين قام الفرنسي جان باتيست ليلوريان عام 1820 بفصل النقش من سقف المعبد باستخدام المناشير والبارود، ثم نقله إلى باريس، حيث استقبله الفرنسيون باهتمام بالغ، قبل أن يشتريه الملك لويس الثامن عشر ويضمه إلى المكتبة الملكية.
وفي عام 1922، نُقلت دائرة الأبراج إلى متحف اللوفر، حيث لا تزال معروضة حتى اليوم في جناح سولي، بوصفها واحدة من أشهر القطع المصرية القديمة خارج مصر، ودليلًا خالدًا على عبقرية المصريين القدماء في علوم الفلك والرياضيات والفن.
وتبقى دائرة أبراج دندرة أكثر من مجرد خريطة للسماء؛ إنها وثيقة حضارية استثنائية تُظهر كيف استطاع المصري القديم أن يقرأ حركة الكون، ويحوّلها إلى عمل فني خالد يثير إعجاب العالم حتى يومنا هذا.

