التوترات الإقليمية تضغط على السياحة والطيران بالعراق وتعرقل خطط التعافي- تقرير
في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، يواجه العراق ضغوطًا متزايدة على قطاعي السياحة والطيران، وهما من أبرز القطاعات التي تعوّل عليها الحكومة لتنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط.
فعلى الرغم من امتلاك البلاد إرثًا حضاريًا فريدًا يضم مواقع تاريخية كبرى مثل بابل وأور، إلى جانب مدن دينية تستقطب ملايين الزوار سنويًا، إلا أن تداعيات الصراعات الإقليمية ألقت بظلالها على صورة العراق كوجهة آمنة، وأثرت بشكل مباشر على الحركة الجوية وتدفقات الزوار.
وشهدت المنطقة منذ منتصف عام 2025 موجة جديدة من التصعيد بين قوى إقليمية ودولية، ما أدى إلى اضطرابات في المجال الجوي وإصدار تحذيرات سفر من عدة دول.
وبحكم موقعه الجغرافي وعلاقاته المعقدة مع أطراف متعددة، وجد العراق نفسه في قلب هذه التطورات، الأمر الذي انعكس على ثقة المسافرين وشركات الطيران على حد سواء.. ومع أن الوضع الأمني الداخلي تحسن مقارنة بسنوات سابقة، فإن "الأمان المتصور" لدى السياح والمستثمرين ظل هشًا أمام أي تصعيد إقليمي.
على صعيد السياحة، كانت الحكومة العراقية قد أطلقت خطة استراتيجية تمتد لعشر سنوات بهدف جذب نحو 10 ملايين زائر بحلول عام 2035، مع التركيز على تطوير المواقع الأثرية الكبرى وإقامة مرافق ثقافية وسياحية جديدة، إضافة إلى تعزيز السياحة الدينية في مدن مثل كربلاء والنجف.
وتهدف الخطة أيضًا إلى رفع مساهمة القطاع في الإيرادات غير النفطية وخلق فرص عمل واسعة في مجالات الضيافة والخدمات، غير أن التحذيرات الدولية من السفر، خاصة إلى المناطق القريبة من الحدود مع إيران وسوريا، أثرت سلبًا على الحجوزات، وأدت إلى تراجع ملحوظ في أعداد الزوار الأجانب، بمن فيهم الحجاج الدينيون.. كما تأثرت السياحة في إقليم كردستان، التي كانت تُعد من أكثر المناطق جذباً للزوار، نتيجة المخاوف المرتبطة بالصراعات المجاورة.
أما قطاع الطيران فكان الأكثر تأثرًا، إذ أدت التطورات الأمنية إلى اضطرابات متكررة في المجال الجوي، ما دفع العديد من شركات الطيران الدولية إلى تغيير مسارات رحلاتها أو تجنب الأجواء العراقية كإجراء احترازي.
ويُعد العراق ممرًا جويًا مهمًا يربط بين آسيا وأوروبا، وقد كان يشهد مئات رحلات العبور يوميًا قبل تصاعد التوترات.. وأدى تراجع حركة العبور إلى خسائر مالية مباشرة من رسوم استخدام المجال الجوي، فضلاً عن تأثيرات غير مباشرة على المطارات والخدمات الأرضية.
المطارات الرئيسية، وفي مقدمتها بغداد والبصرة والنجف وأربيل، واجهت تباطؤًا في الحركة الجوية، فيما تكبدت شركات الطيران الوطنية ضغوطًا إضافية بسبب انخفاض الإيرادات وارتفاع التكاليف التشغيلية الناتجة عن إعادة جدولة الرحلات وتغير المسارات.. كما تأثر قطاع الشحن الجوي، ما انعكس على سلاسل الإمداد والتجارة المرتبطة بالاقتصاد غير النفطي.
اقتصادياً، تشكل هذه التطورات تحدياً مزدوجاً للعراق، إذ تأتي في وقت يسعى فيه إلى تنشيط مصادر دخل بديلة، ويُنظر إلى السياحة والطيران كرافعتين أساسيتين لتحقيق هذا الهدف، لكن استمرار الاضطرابات يهدد بإبطاء وتيرة التعافي ويؤجل تحقيق المستهدفات المعلنة.. فيما يرى مختصون أن تخفيف الأثر يتطلب تحسين البنية التحتية السياحية، وتعزيز أنظمة السلامة الجوية، إلى جانب دور دبلوماسي نشط لخفض حدة التوترات الإقليمية.
ورغم الصورة الضاغطة، تبقى هناك فرص كامنة على المدى المتوسط، خاصة في السياحة الدينية والثقافية التي يتمتع فيها العراق بميزة تنافسية واضحة.. ومع تحسن الاستقرار الإقليمي، يمكن للبلاد استعادة زخمها تدريجيًا كمقصد للزوار وممر جوي حيوي، لكن المسار سيظل مرتبطًا إلى حد كبير بتطورات المشهد الجيوسياسي المحيط.


