طريق الكباش في الأقصر.. الممر المقدس الذي حول المدينة إلى متحف مفتوح
على امتداد أكثر من ثلاثة كيلومترات، يسير الزائر اليوم في الأقصر فوق طريق سلكه الملوك والكهنة قبل آلاف السنين، طريق الكباش لم يعد مجرد أثر صامت، بل صار رحلة مفتوحة في قلب الحضارة المصرية القديمة، تربط بين معبد الكرنك ومعبد الأقصر، وتحول المدينة بأكملها إلى مشهد حي من التاريخ.
هذا الطريق، الذي شهد أعظم المواكب الدينية في مصر القديمة، عاد للحياة بعد افتتاحه ليصبح واحدًا من أندر وأهم الطرق الأثرية المكشوفة في العالم، ومقصدًا سياحيًا يضع الأقصر في مكانة لا تنافسها مدينة أثرية أخرى.
طريق للآلهة والمواكب المقدسة
لم يكن طريق الكباش مجرد ممر حجري، بل كان مسرحًا للاحتفالات الدينية الكبرى، وعلى رأسها عيد الأوبت، حين كانت تماثيل الآلهة تُحمل في مواكب مهيبة من الكرنك إلى الأقصر وعلى جانبي الطريق، تصطف مئات التماثيل التي تمثل أبو الهول بأشكال متعددة؛ أجساد أسود برؤوس كباش، وأخرى برؤوس بشرية، في مشهد يعكس رمزية القوة والحماية والقداسة.
كل تمثال على الطريق كان شاهدًا على طقوس استمرت قرونًا، وعلى اعتقاد راسخ لدى المصري القديم بأن هذا الممر هو حلقة الوصل بين الأرض والسماء.
تحفة معمارية مكشوفة تحت السماء
يمتد طريق الكباش بطول يقارب 2700 متر، وهو الطريق الوحيد في مصر القديمة الذي رُصف بالكامل بـالحجر الرملي، وزُوّد بأنظمة ري متقدمة لزراعة الأشجار وأحواض الزهور على جانبيه، في مشهد يجمع بين الجمال المعماري والتخطيط الحضاري.
اليوم، يستطيع الزائر أن يسير على الطريق نفسه، ويرى الحفائر والمكتشفات الأثرية التي تحيط به، في تجربة نادرة تمزج بين المشاهدة والتفاعل، بعيدًا عن قاعات العرض المغلقة.
الأقصر.. متحف مفتوح بلا جدران
وبعد افتتاح طريق الكباش بعد تجديده منذ سنوات، لم يعد الحديث فقط عن طريق أثري، بل عن مدينة كاملة تتحول إلى متحف مفتوح. فالأقصر تضم بالفعل معابد الكرنك والأقصر والبر الغربي، ومع الطريق أصبح الربط بينها تجربة متكاملة تضع الزائر داخل قلب التاريخ.
هذا المشروع أعاد للأقصر دورها الطبيعي كعاصمة للحضارة المصرية القديمة، وجعل من التجول فيها رحلة زمنية مفتوحة، لا تتكرر في أي مكان آخر بالعالم.
وجهة عالمية للسياحة الثقافية
أعاد طريق الكباش رسم خريطة السياحة الثقافية في مصر، حيث أصبح أحد أهم عوامل الجذب للزائرين من مختلف دول العالم. فالطريق لا يقدم مجرد آثار، بل يروي قصة حضارة آمنت بالخلود، وعبّرت عنه بالحجر والنقش والموكب.
اليوم، وبينما تشرق الشمس على تماثيل الكباش، يدرك الزائر أن ما يراه ليس ماضيًا منتهيًا، بل حضارة لا تزال قادرة على إبهار العالم.


