رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

كيف دخل المسرح إلى مصر؟.. أسرار البدايات ودور الخديو إسماعيل

صورة أرشيفية لمسرح
صورة أرشيفية لمسرح

قبل ظهور المسارح الكبرى وانتشار الفرق الفنية في القاهرة، كانت مصر تعرف أشكالا متعددة من فنون الفرجة الشعبية التي ارتبطت بحياة المصريين واحتفالاتهم ومواسمهم، مثل خيال الظل والأراجوز والحكواتي. 

ومع مرور الوقت، شهد القرن التاسع عشر تحولا مهما في تاريخ الحياة الثقافية، مع دخول المسارح ذات الطراز الأوروبي، وظهور محاولات تأسيس مسرح مصري يقدم عروضه باللغة العربية، لتبدأ رحلة طويلة أسهمت في تشكيل ملامح المسرح المصري الحديث.

لكن الإجابة عن سؤال «ما أول مسرح في مصر؟» تحتاج إلى التمييز بين أقدم دار مخصصة للعروض المسرحية، وأول محاولات تقديم المسرح باللغة العربية، وبين فنون الفرجة الشعبية التي سبقت ظهور المسارح الحديثة. 

ومن هنا يمكن تتبع محطات مهمة في تاريخ المسرح المصري، بداية من الحملة الفرنسية، مرورا بعهد الخديو إسماعيل، وصولا إلى تجارب يعقوب صنوع والفرق المسرحية الشامية.

قبل ظهور المسارح.. فنون الفرجة الشعبية كانت حاضرة في حياة المصريين

لم تكن مصر خالية من أشكال التمثيل والتشخيص قبل ظهور المسرح الأوروبي الحديث، فقد عرف المصريون مجموعة متنوعة من فنون الفرجة الشعبية، من بينها خيال الظل والأراجوز، إلى جانب المحبظين والحكائين والمنشدين، الذين قدموا عروضا اعتمدت على سرد الحكايات وتقليد الشخصيات والسخرية والغناء والحركة.

وكانت هذه الفنون حاضرة في الموالد والأسواق والمناسبات الشعبية، واستقطبت جمهورا من مختلف الطبقات الاجتماعية، حيث مثلت إحدى وسائل الترفيه والتعبير عن قضايا المجتمع وتفاصيل الحياة اليومية.

ورغم التشابه بين بعض هذه الفنون والعروض المسرحية، فإنها لم تكن مسرحا بالمعنى الأوروبي الحديث، الذي يعتمد على خشبة عرض وصالة مخصصة للجمهور ونص درامي مكتوب وفرقة تقدم عروضا منظمة وفق قواعد فنية محددة.

ويشير الباحثون في تاريخ المسرح المصري إلى أن كثيرا من فنون الفرجة الشعبية لم تحظ بالتوثيق الكافي في الصحافة والكتابات الرسمية، ما يجعل تتبع تاريخها أكثر صعوبة مقارنة بالمسارح الأوروبية والعروض التي تركت وراءها وثائق وشهادات تاريخية.

الحملة الفرنسية.. أقدم دار تمثيل موثقة في القاهرة

ترتبط إحدى أقدم الإشارات التاريخية الموثقة لوجود دار مخصصة للعروض المسرحية في القاهرة بفترة الحملة الفرنسية على مصر، عندما أنشأ الفرنسيون مكانا للعروض أطلقوا عليه «مسرح الجمهورية والفنون»، بهدف توفير وسيلة للترفيه عن الجنود والجاليات الأجنبية الموجودة في البلاد.

وتقدم كتابات المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي تفاصيل مهمة عن هذا المكان، إذ أشار في أحداث يوم السبت 27 ديسمبر 1800 إلى اكتمال بناء الدار التي أنشأها الفرنسيون في منطقة الأزبكية، عند موضع عرف باسم «باب الهواء»، موضحا أنها كانت تسمى باللغة الفرنسية «الكوميدي».

ووفقا لما أورده الجبرتي، كان الفرنسيون يجتمعون في هذا المكان كل عشر ليال لمشاهدة عروض يقدمها عدد منهم، وتستمر لنحو أربع ساعات، مع اشتراط الحصول على تذكرة معلومة والالتزام بملابس محددة لدخول الدار.

وتكتسب هذه الشهادة التاريخية أهميتها من أنها لم تكتف بتوثيق وجود مكان للعروض المسرحية، بل قدمت تفاصيل عن موقعه وطبيعة نشاطه ومواعيد العروض وتنظيم الدخول إليه.

وبذلك يعد هذا المكان من أقدم دور العرض المسرحي الموثقة في القاهرة الحديثة، مع الإشارة إلى أنه كان مخصصا للفرنسيين ولم يكن مسرحا مصريا يقدم عروضا باللغة العربية، وتشير الروايات التاريخية إلى أن المسرح تعرض للهدم خلال أحداث ثورة القاهرة، قبل أن تشهد منطقة الأزبكية والعتبة لاحقا تطورات مهمة في تاريخ المسارح المصرية، من بينها إقامة المسرح القومي.

عهد الخديو إسماعيل.. بداية انتشار المسارح الأوروبية في مصر

شهد عهد الخديو إسماعيل مرحلة جديدة في تاريخ المسرح المصري، مع التوسع في إنشاء المسارح واستقدام الفرق الفنية الأجنبية، ضمن مشروع أوسع لتحديث القاهرة وإدخال مظاهر الحياة الثقافية والاجتماعية الأوروبية إليها.

ومن أبرز المحطات في هذه المرحلة إنشاء مسرح «الكوميدي» عام 1868، وارتباطه بالعروض الأوروبية، ثم افتتاح دار الأوبرا الخديوية في الأول من نوفمبر 1869، بالتزامن مع الاحتفالات بافتتاح قناة السويس.

وشكلت الأوبرا الخديوية محطة بارزة في تاريخ الحياة الفنية والثقافية بمصر، إذ استضافت عروضا موسيقية ومسرحية أوروبية، وأسهمت في تعريف الجمهور المصري بأشكال جديدة من الفنون التي كانت منتشرة في أوروبا.

ورغم ارتباط اسم أوبرا «عايدة» تاريخيا بافتتاح دار الأوبرا الخديوية، فإنها لم تعرض في ليلة الافتتاح، وإنما قدمت للمرة الأولى على خشبتها في ديسمبر 1871.

أما أوبرا «ريجوليتو» للموسيقار الإيطالي جوزيبي فيردي، فقد شهدت بدايات تشغيل الأوبرا، لكنها توقفت بسبب حريق نشب نتيجة استخدام إضاءة الغاز.

ومع تزايد نشاط المسارح الأجنبية وانتشار العروض الأوروبية، بدأت تتشكل بيئة ثقافية وفنية ساعدت على ظهور محاولات محلية لتقديم المسرح باللغة العربية، وهو ما مهد لمرحلة جديدة في تاريخ المسرح المصري.

يعقوب صنوع.. أحد أبرز رواد المسرح المصري الحديث

في سبعينيات القرن التاسع عشر، برز اسم يعقوب صنوع باعتباره أحد أهم الأسماء المرتبطة بنشأة المسرح المصري الحديث، بعدما اتجه إلى تقديم عروض باللغة العربية، واستخدم العامية المصرية في عدد من أعماله، مستفيدا من الكوميديا والسخرية في تصوير الشخصيات والمواقف الاجتماعية.

وتنسب إليه دراسات متخصصة تأسيس تجربة مسرحية في القاهرة عام 1870، وتقديم عروض تناولت قضايا المجتمع المصري وشخصياته المختلفة، بما في ذلك الموظفون والأعيان والطبقات الشعبية.

وتتمثل أهمية تجربة صنوع في سعيها إلى تقديم موضوعات وشخصيات قريبة من الجمهور المصري، بدلا من الاكتفاء بنقل النموذج المسرحي الأوروبي، حيث اعتمد على لغة يفهمها الجمهور ويتداولها في حياته اليومية.

كما اتجهت أعماله إلى توظيف الكوميديا والسخرية في تناول بعض الظواهر الاجتماعية، وهو ما منح تجربته طابعا محليا ساعد على ربط المسرح بحياة الناس واهتماماتهم.

ورغم المكانة التي يحتلها صنوع في تاريخ المسرح المصري، فإن مسألة ريادته لا تزال محل نقاش بين الباحثين، خاصة فيما يتعلق بتفاصيل عروضه الأولى ومدى توافر الوثائق التاريخية التي تؤكد بعض الروايات المرتبطة ببدايات تجربته.

وفي هذا السياق، أشار الباحث سيد علي إسماعيل إلى العثور على أخبار تتعلق بتجربة صنوع في صحيفة «الجوائب» خلال الفترة من 1870 إلى 1872، وذلك في مكتبة أتاتورك بإسطنبول، كما تناولت الباحثة نجوى عنوس هذه المسألة في دراستها عن يعقوب صنوع ومسرحياته.

وبالتالي، يظل صنوع أحد الأسماء المحورية في دراسة نشأة المسرح المصري الحديث، مع أهمية عرض الاختلافات البحثية المتعلقة بتحديد بدايات هذه التجربة وتوثيقها.

سليم النقاش والفرق الشامية.. كيف انتشر المسرح العربي في مصر؟

لم تكن محاولات تقديم المسرح باللغة العربية مقتصرة على تجربة يعقوب صنوع، إذ لعبت الفرق المسرحية القادمة من بلاد الشام دورا مهما في انتشار هذا الفن داخل مصر خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

ومن أبرز الأسماء المرتبطة بهذه المرحلة سليم خليل النقاش، ابن شقيق مارون النقاش، الذي ارتبط اسمه ببدايات المسرح العربي في لبنان.

وتذكر دراسة الباحث سيد علي إسماعيل أن فرقة سليم النقاش كانت أول فرقة مسرحية عربية تزور مصر في أواخر عام 1876، بعد محاولات للحصول على دعم الخديو إسماعيل والتصريح بتقديم عروض باللغة العربية.

وقدمت الفرق الشامية أعمالا مسرحية مترجمة ومقتبسة من المسرح الأوروبي، إلى جانب نصوص أخرى، وأسهم نشاطها في توسيع نطاق انتشار التمثيل باللغة العربية، وتعريف الجمهور المصري بأشكال مختلفة من العروض المسرحية.

كما ساعدت هذه الفرق على تكوين جمهور جديد للمسرح العربي، وفتحت المجال أمام تطور التجارب المحلية وظهور أسماء فنية جديدة في هذا المجال.

وتكشف هذه المرحلة أن نشأة المسرح العربي في مصر لم تكن نتيجة تجربة فردية واحدة، وإنما جاءت من تفاعل مجموعة من العوامل، شملت المحاولات المحلية، والفرق المسرحية الشامية، والتأثير الذي أحدثته المسارح والعروض الأوروبية.

كيف تشكلت بدايات المسرح المصري الحديث؟

تكشف المحطات التاريخية السابقة أن المسرح المصري مر بمراحل متعددة قبل أن يصل إلى صورته الحديثة، بداية من فنون الفرجة الشعبية التي عرفها المصريون في الموالد والأسواق، مرورا بدور العرض التي أنشأها الفرنسيون خلال الحملة الفرنسية، ثم انتشار المسارح الأوروبية في عهد الخديو إسماعيل.

ومع ظهور تجارب يعقوب صنوع ونشاط الفرق المسرحية الشامية، بدأت ملامح المسرح باللغة العربية تتضح بصورة أكبر، لتتشكل تدريجيا تجربة فنية تستلهم بعض عناصر المسرح الأوروبي، لكنها تستند في موضوعاتها وشخصياتها إلى المجتمع المصري والعربي.

وهكذا، فإن الإجابة عن سؤال «ما أول مسرح في مصر؟» تختلف باختلاف المقصود؛ فهناك دار التمثيل التي أنشأها الفرنسيون خلال الحملة الفرنسية، وهناك بدايات المسرح باللغة العربية التي ارتبطت بتجارب صنوع والفرق الشامية، بينما سبقت ذلك كله أشكال متنوعة من الفرجة الشعبية التي ظلت جزءا أصيلا من الثقافة المصرية.

تم نسخ الرابط