رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

هل عرف الفراعنة الطب النفسي؟.. برديات مصر القديمة تكشف أسرار الحزن والعلاج

Go Egypia

 

قبل آلاف السنين، لم تكن الأمراض الجسدية وحدها محل اهتمام الأطباء في مصر القديمة، بل ظهرت في النصوص الطبية أيضًا إشارات إلى حالات ارتبطت بالحزن واضطراب الوعي والذاكرة، في شواهد تكشف أن المصري القديم انتبه إلى العلاقة بين الحالة الإنسانية وما يطرأ على الجسد والسلوك.

لكن هل يعني ذلك أن المصريين القدماء عرفوا الطب النفسي بمفهومه الحديث؟ الإجابة تحتاج إلى قراءة متأنية للبرديات، التي تجمع بين الملاحظة الطبية والوصفات العلاجية والمعتقدات الدينية والطقوس، في منظومة تختلف عن الطب المعاصر، لكنها تقدم نافذة مهمة على تاريخ فهم الإنسان للألم والمعاناة النفسية.

بردية إيبرس.. عندما سجل المصري القديم أمراض الإنسان

تُعد بردية إيبرس واحدة من أهم المصادر التي يعتمد عليها الباحثون في دراسة الطب المصري القديم. ويرجع تاريخ نسختها الباقية إلى نحو عام 1550 قبل الميلاد، وتضم عددًا كبيرًا من الوصفات والملاحظات الطبية المتعلقة بأمراض متعددة.

وتكشف البردية عن معرفة واسعة لدى المعالجين المصريين القدماء بأعراض الأمراض وطرق التعامل معها، من خلال استخدام مواد نباتية وحيوانية ومعدنية، إلى جانب صيغ وطقوس علاجية ارتبطت بمعتقداتهم الدينية.

ولا تقتصر أهمية البردية على الأمراض الجسدية؛ إذ تتضمن نصوصًا فسّرها بعض الباحثين باعتبارها إشارات إلى حالات من الحزن الشديد واضطراب الحالة الذهنية. ومع ذلك، فإن هذه الأوصاف لا تكفي وحدها لتشخيص حالات نفسية قديمة وفق التصنيفات الطبية المعاصرة.

وتشير دراسة منشورة في دورية Bulletin of the Royal College of Psychiatrists إلى أن النصوص المصرية القديمة وصفت حالات من الحزن بأعراض جسدية ونفسية متداخلة، وهو ما يفتح المجال لدراسة الطريقة التي فهم بها المصري القديم المعاناة الإنسانية.

«حزن القلب».. كيف وصف المصري القديم الألم النفسي؟

من أكثر الجوانب لفتًا للانتباه في النصوص التي تناولها الباحثون، وصف الحزن باعتباره حالة قد تظهر آثارها على الجسد أيضًا.

وتورد دراسة تاريخية في الطب النفسي وصفًا لشخص يُدعى ساتري خامويس، بدا عليه الانطواء والاعتلال، حتى إن زوجته حاولت التحقق من حالته، وخلصت إلى أن ما يعانيه ليس حمى، بل ما وصفته بحزن القلب.

كما تناقش الدراسة نصًا يصوّر شخصًا يعاني ثقلًا في أطرافه وتراجعًا في قدرته على الإحساس بجسده، إلى جانب تغيرات في النظر والسمع وصعوبة في الكلام، مع شعور بأن العلاج لا يعيد إليه عافيته.

وتكتسب هذه الأوصاف أهميتها من أنها لا تعرض المعاناة باعتبارها مجرد شعور عابر، بل تصور حالة تؤثر في الجسد والإدراك والحياة اليومية.

ومع ذلك، لا يصح الجزم بأن هذه النصوص تصف حالات اكتئاب وفق التشخيص الحديث؛ فالمصطلحات الطبية القديمة تختلف عن المفاهيم الحالية، كما أن النصوص المتاحة محدودة ولا تسمح بإعادة بناء الحالة السريرية كاملة.

هل عرف المصري القديم دور الدماغ في التفكير والذاكرة؟

تقدم بردية إدوين سميث، التي يرجع تاريخ نسختها الباقية إلى نحو 1600 قبل الميلاد، شواهد مهمة على معرفة المصريين القدماء بإصابات الرأس والعمود الفقري وبعض آثارها على وظائف الجسم.

وتتميز البردية بأسلوب منظم في عرض عدد من الحالات؛ إذ تتناول الفحص، ووصف الأعراض، وتقدير الحالة، ثم تحديد كيفية التعامل معها. وتكشف بعض الحالات عن ملاحظات دقيقة بشأن تغيرات الحركة والإحساس والوعي بعد الإصابات.

ويرى باحثون في تاريخ طب الأعصاب أن هذه النصوص توثق ملاحظات مبكرة يمكن التعرف من خلالها على إصابات عصبية، وإن لم يكن علم الأعصاب قد نشأ آنذاك بوصفه تخصصًا مستقلًا بالمفهوم الحديث.

أما فهم العلاقة بين الدماغ والوظائف الذهنية، فلا تزال تفاصيله محل دراسة ونقاش. ولذلك ينبغي التمييز بين معرفة بعض مظاهر إصابات الرأس والوعي والذاكرة وبين امتلاك نظرية علمية متكاملة عن عمل الدماغ.

الطب والسحر.. كيف كان المصري القديم يبحث عن الشفاء؟

لم يفصل المصري القديم دائمًا بين العلاج الطبي والممارسات الدينية والطقوس؛ فقد اجتمعت في النصوص العلاجية وصفات تعتمد على مواد محددة، وإرشادات للفحص، وصيغ لفظية وتعاويذ يُعتقد أنها تساعد في استعادة الصحة.

وتوضح مواد تعليمية صادرة عن مشروع «ديجيتال إيجيبت» بجامعة كوليدج لندن أن النصوص العلاجية المصرية القديمة تضمنت أنماطًا مختلفة، منها التشخيص والتنبؤ بمسار المرض، والوصفات العلاجية، والتعاويذ المصاحبة للشفاء.

ولا ينبغي النظر إلى هذه الممارسات باعتبارها دليلًا على وجود فصل واضح بين الطب والعقيدة كما نفهمهما اليوم؛ فتصورات المصريين عن المرض والصحة كانت جزءًا من رؤية أوسع للعالم، امتزجت فيها الخبرة العملية بالمعتقدات الدينية.

ومن هنا، فإن دراسة هذه النصوص لا تكشف فقط عن المواد التي استخدمها المصري القديم في العلاج، بل تساعد أيضًا في فهم تصوراته عن أسباب المرض ومعنى الشفاء ودور المعالج في المجتمع.

هل امتلك الفراعنة نظامًا للطب النفسي؟

على الرغم من وجود إشارات إلى الحزن واضطراب الوعي والذاكرة وبعض الحالات التي قد ترتبط بالعوامل النفسية، فإن الأدلة المتاحة لا تثبت أن مصر القديمة عرفت تخصصًا للطب النفسي مماثلًا للتخصص الحديث.

فلا يمكن مساواة وصف حالة من الحزن بتشخيص الاكتئاب وفق المعايير الحالية، كما لا تكفي الإشارات إلى اضطراب الوعي لإثبات وجود تصنيف طبي منظم للأمراض النفسية.

لكن هذه النصوص تؤكد أن المصريين القدماء لاحظوا مظاهر من المعاناة الإنسانية تتجاوز الإصابات الجسدية الظاهرة، وحاولوا تفسيرها والتعامل معها وفق المعرفة والمعتقدات السائدة في عصرهم.

وتظل قيمة هذه الشواهد في أنها تقدم جزءًا من التاريخ الطويل الذي سعى فيه الإنسان إلى فهم مشاعره وسلوكه، والبحث عن تفسير للألم الذي لا تظهر أسبابه دائمًا على سطح الجسد.

من البرديات إلى الطب الحديث.. رحلة فهم النفس البشرية

تكشف البرديات الطبية المصرية القديمة عن حضارة اهتمت بتسجيل الأمراض والأعراض وطرق العلاج، وتركت وثائق تساعد الباحثين على تتبع تطور المعرفة الطبية عبر العصور.

وفي ملف الصحة النفسية تحديدًا، تظل النصوص التي تصف الحزن واضطراب الوعي والذاكرة شواهد تاريخية مهمة، لكنها تحتاج إلى قراءة علمية حذرة، بعيدًا عن إسقاط المصطلحات الحديثة عليها أو المبالغة في وصفها بأنها اكتشافات مكتملة للطب النفسي.

وبين الوصفات الطبية والتعاويذ والملاحظات المتعلقة بالحالة الإنسانية، تفتح دفاتر المصري القديم بابًا لفهم كيف تعاملت واحدة من أقدم الحضارات مع المرض والمعاناة، وكيف بدأت محاولات الإنسان تفسير العلاقة المعقدة بين الجسد والعقل والمشاعر.

تم نسخ الرابط