كيف قدم المصري القديم الطعام للموتى؟.. حكاية لوحة جنائزية نادرة بالإسكندرية
كيف كان المصري القديم ينظر إلى الطعام؟ ولماذا حرص على تصوير أنواع مختلفة من المأكولات على موائد القرابين داخل المقابر؟ تكشف إحدى القطع الأثرية المميزة بـ المتحف القومي بالإسكندرية جانبا من تفاصيل الحياة اليومية والمعتقدات الدينية لدى المصريين القدماء، من خلال لوحة جنائزية من الحجر الجيري توثق طقوس تقديم القرابين وتبرز مكانة الغذاء في الحياة والموت.
ويضم المتحف القومي بالإسكندرية مجموعة متنوعة من القطع الأثرية التي تعود إلى عصور تاريخية مختلفة، وتعكس جوانب متعددة من الحضارة المصرية القديمة، ومن بينها لوحة جنائزية تحمل تفاصيل فنية وإنسانية توثق طقوس الدفن وتقديم القرابين، وتقدم صورة عن أنواع الطعام التي عرفها المصري القديم واستخدمها في حياته اليومية وممارساته الدينية.
لوحة جنائزية توثق طقوس تقديم القرابين
يعرض المتحف القومي بالإسكندرية لوحة جنائزية مصنوعة من الحجر الجيري، نقش عليها نص يتضمن صيغة التقدمة، وأسفله ثلاثة صفوف من المناظر الجنائزية التي تسلط الضوء على طقوس تقديم القرابين للموتى.
ويصور الصف الأول رجلا متوفى يدعى نختي وزوجته دوي، وخلفهما ابنهما، بينما تظهر أمامهما مائدة قرابين تضم مجموعة متنوعة من الأطعمة. وتستكمل اللوحة مناظرها بصفين آخرين يصوران أبناء نختي ودوي وبناتهما، في مشهد يعكس حضور الأسرة ضمن الطقوس الجنائزية.
وتعد مناظر تقديم القرابين من أبرز العناصر التي ظهرت في المعابد والمقابر المصرية القديمة، إذ ارتبطت بالمعتقدات الدينية الخاصة بالحياة بعد الموت، واعتقاد المصري القديم بأهمية توفير احتياجات المتوفى في العالم الآخر.
ماذا كان يأكل المصري القديم؟ تفاصيل مائدة القرابين
تكشف النقوش الموجودة على اللوحة عن تنوع الأطعمة التي كانت تقدم ضمن الطقوس الجنائزية، حيث تضم المائدة الخس والبصل الأخضر وفخذ ثور ورأس بطة ورأس عجل، إلى جانب أنواع مختلفة من الخبز والقثاء، بينما تظهر أسفل المائدة أوان مخصصة للسوائل.
وكانت القرابين تقدم في أوقات مختلفة، فمنها ما كان يقدم بصورة يومية، ومنها ما ارتبط بالمناسبات والأعياد والطقوس الدينية الخاصة.
ولم تكن هذه الأطعمة مجرد عناصر تزين المشاهد المنقوشة، بل كانت تحمل دلالات مرتبطة بالوفرة واستمرار الحياة وتوفير احتياجات المتوفى وفقا للمعتقدات المصرية القديمة.
وتمنح هذه التفاصيل الأثرية الباحثين والزائرين فرصة للتعرف على طبيعة الغذاء في مصر القديمة، والتمييز بين الأطعمة التي عرفها المصريون واستخدموها في حياتهم اليومية، وتلك التي ظهرت ضمن طقوسهم الدينية والجنائزية.
الغذاء في ذاكرة المتاحف.. أكثر من مجرد وسيلة للبقاء
يمثل الغذاء أحد الجوانب المهمة التي توثقها المتاحف حول العالم، فهو لا يرتبط بالبقاء فقط، بل يعكس كذلك هوية المجتمعات وتطورها الاجتماعي والحضاري، ويكشف عن طبيعة البيئة والموارد المتاحة وأساليب استغلالها.
وتساعد القطع الأثرية التي تصور موائد الطعام والقرابين على فهم جانب من الحياة اليومية للمصري القديم، كما توضح العلاقة بين الزراعة والمعتقدات الدينية والعادات الاجتماعية، لتصبح هذه النقوش جزءا من الذاكرة الإنسانية التي تحفظ تفاصيل الحياة عبر العصور.
وقال محمد سعيد، خبير أثري بالإسكندرية، إن حياة المصري القديم ارتبطت بالزراعة والطعام، في إطار سعيه إلى الاستفادة من الطبيعة المحيطة به، بما تتضمنه من أراض طينية ومياه نهر النيل، وهو ما جعل النشاط الزراعي أحد العناصر الأساسية في حياته.
وأضاف أن الطعام لم يكن مصدرا للبقاء فحسب، بل كان يستخدم أيضا في تقديم القرابين للموتى، حيث حرص المصريون القدماء على وضع أجود أنواع الأطعمة، ومنها اللحوم والطيور والقمح والخبز المصنوع منه، ضمن القرابين الجنائزية.
وأشار إلى أن المتاحف المصرية تضم شواهد متعددة على حياة المصري القديم وتفاصيل يومه، بما في ذلك أشكال القرابين وتنوع الأطعمة التي كانت تقدم على الموائد، وهو ما يساعد على تكوين صورة أوضح عن أنماط المعيشة والممارسات الدينية في مصر القديمة.
واعتمد المصري القديم على مجموعة متنوعة من الأطعمة النباتية، وفي مقدمتها الخبز والحبوب، إلى جانب الخضراوات مثل البصل والثوم والعدس واللفت والخس والخيار، وهي أطعمة عرفها المصريون منذ عصور مبكرة، واستمرت ضمن مكونات غذائهم عبر فترات مختلفة من التاريخ.
وكان الخبز المصنوع من الدقيق أحد العناصر الرئيسية على المائدة المصرية القديمة، مع استخدام الخميرة والملح والتوابل في إعداده، وإضافة البيض أو الزبدة في بعض الأنواع، وفقا لما أورده النص المصدر.
كما عرف المصريون القدماء أنواعا متعددة من الفواكه، من بينها التمر والعنب والرمان، وهو ما يعكس تنوع المحاصيل والموارد الغذائية التي ارتبطت بالبيئة الزراعية في مصر.
وتوضح هذه المكونات أن الغذاء في مصر القديمة لم يكن مجرد ضرورة يومية، بل كان عنصرا حاضرا في تفاصيل الحياة الاجتماعية والاقتصادية والدينية، وهو ما تحفظه النقوش والقطع الأثرية المعروضة في المتاحف المصرية.
المتحف القومي بالإسكندرية.. نافذة على الحضارة المصرية
يمثل المتحف القومي بالإسكندرية إحدى المحطات المهمة للتعرف على تاريخ مصر وتراثها الأثري، إذ يضم مقتنيات متنوعة تساعد على تتبع ملامح الحياة عبر عصور مختلفة، وتكشف جوانب من معتقدات المصريين القدماء وعاداتهم وتقاليدهم.
وتأتي اللوحة الجنائزية التي تصور نختي وزوجته دوي وأفراد أسرتهما ضمن القطع التي تبرز القيمة التوثيقية للفن المصري القديم، إذ تجمع بين المشهد الجنائزي وتفاصيل الطعام والقرابين، لتقدم للزائر صورة عن العلاقة بين الحياة اليومية والمعتقدات المرتبطة بالعالم الآخر.
ومن خلال هذه القطع، لا تقتصر زيارة المتاحف على مشاهدة الآثار القديمة، بل تمتد إلى اكتشاف قصص الإنسان المصري وتفاصيل حياته، من طعامه وزراعته إلى طقوسه الدينية وتصوراته عن الحياة بعد الموت.


