رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

عيون التابوت ترشدنا إلى اتجاه وجه المتوفى..ماذا تكشف عن معتقدات المصري القديم؟

عينان مرسومتان على
عينان مرسومتان على جانب التابوت

هل يمكن لزوج من العيون المرسومة على تابوت مصري قديم أن يكشف لنا وضع المتوفى داخله واتجاه وجهه؟ الإجابة نعم، إذ تمثل «لوحة العينين» إحدى التفاصيل اللافتة في بعض التوابيت الخشبية المستطيلة، والتي لم تكن مجرد عنصر زخرفي، وإنما ارتبطت بوظيفة عملية ورمزية في الوقت نفسه.

وكانت العينان تُرسمان بالقرب من موضع الرأس، على الجانب المقابل لوجه المتوفى، وهو ما يساعد علماء الآثار على الاستدلال على اتجاه وجهه داخل التابوت، ويكشف جانبًا من الطريقة التي تعامل بها المصري القديم مع الموت والعالم الآخر.

عيون التابوت.. مفتاح لمعرفة اتجاه وجه المتوفى

Udjat-Augen auf einem Sarg von Egyptian 12th Dynasty

ظهرت تقاليد رسم العينين على بعض التوابيت منذ الأسرة السادسة، واستمرت خلال عصر الانتقال الأول والدولة الوسطى، لتصبح من العناصر المميزة في عدد من التوابيت الخشبية المستطيلة.

وكان المتوفى يوضع عادةً على جانبه الأيسر داخل هذا النوع من التوابيت، بحيث يكون وجهه متجهًا نحو الشرق، في مواجهة لوحة العينين الموجودة على الجانب الآخر من موضع الرأس.

وبذلك لم تكن العينان مجرد رسمة تزين جانب التابوت، وإنما يمكن من خلال موقعهما تحديد الطريقة التي وُضع بها المتوفى داخله، وهو ما يمنح هذه التفاصيل الصغيرة أهمية كبيرة في دراسة طقوس الدفن والمعتقدات الجنائزية لدى المصريين القدماء.

لماذا كانت العينان مهمة في معتقدات المصريين القدماء؟

إلى جانب وظيفتهما في الإشارة إلى اتجاه وجه المتوفى، حملت العينان معنى رمزيًا يرتبط بالمعتقدات المصرية القديمة حول الحياة بعد الموت.

فقد كان المصري القديم يعتقد أن المتوفى يستطيع من خلال العينين النظر إلى العالم الخارجي والتواصل مع الأحياء، خاصة أن القرابين التي يقدمها أفراد الأسرة والأحياء كانت تمثل عنصرًا مهمًا في استمرار حياته في العالم الآخر.

ومن هنا أصبحت العينان وسيلة رمزية لفتح صلة بين عالم المتوفى والعالم الذي تركه خلفه، وكأن التابوت لم يكن حاجزًا يفصل الميت عن الحياة، وإنما مساحة تتيح له الاستمرار في التواصل معها وفق التصورات الدينية السائدة آنذاك.

تابوت «خوي».. نظرة إلى الخارج ورفقة في العالم الآخر

Coffin of Wepwawet-em-hat - Artworks - Kunsthistorisches Museum - KHM.at

ويقدم تابوت «خوي» نموذجًا مميزًا لهذه التقاليد، إذ يعود إلى منتصف الأسرة الثانية عشرة، وصُنع من الخشب الملون.

وعُثر على التابوت في المقبرة رقم 8 بأسيوط، خلال أعمال حفائر المعهد الفرنسي للآثار الشرقية، وهو محفوظ حاليًا بالمتحف المصري بالقاهرة تحت رقم التسجيل JE 36445.

ويحمل التابوت تفاصيل فنية وإنسانية لافتة، من بينها تصوير خوي واقفًا على أحد جوانبه الخارجية بالقرب من زوج العينين، مرتديًا نقبة بيضاء قصيرة، بينما يمسك برباط كلبه.

كلب خوي.. مشهد يكشف علاقة صاحب التابوت برفيقه

يتميز الكلب المصور إلى جوار خوي بجسم مرقط وذيل ملتف إلى أعلى، وهو ما يضفي على المشهد طابعًا مختلفًا عن كثير من العناصر الرمزية المرتبطة بالتوابيت.

ويعكس تصوير خوي إلى جانب كلبه ارتباط صاحب التابوت برفيقه، ليصبح المشهد جزءًا من الصورة التي تصاحب المتوفى في رحلته إلى العالم الآخر.

وهنا تظهر قيمة التفاصيل الفنية الصغيرة في الآثار المصرية، إذ يمكن لمشهد بسيط مرسوم على جانب تابوت أن يقدم لمحة عن حياة صاحبه وعلاقاته، إلى جانب وظيفته داخل المنظومة الجنائزية.

«متون التوابيت».. نصوص لحماية المتوفى في العالم الآخر

لم تتوقف العناية بالمتوفى عند الرسوم الموجودة على الجوانب الخارجية للتابوت، إذ ازدانت الجدران الداخلية للعديد من توابيت الدولة الوسطى بصور القرابين والأدعية والتعاويذ والنصوص الجنائزية.

وكان الهدف من هذه النصوص، وفق المعتقدات المصرية القديمة، مساعدة المتوفى في رحلته إلى العالم الآخر وتوفير الحماية والإرشاد له خلال مراحل رحلته بعد الموت.

وتُعرف هذه المجموعة من النصوص باسم «متون التوابيت»، وهي تمثل مصدرًا مهمًا لفهم المعتقدات والطقوس الجنائزية خلال الدولة الوسطى، وما ارتبط بها من تصورات حول الحياة الأخرى.

التابوت المصري.. أكثر من مجرد وسيلة للدفن

Coffin of Senbi | Cleveland Museum of Art

تكشف تفاصيل مثل «عيون التابوت» عن أن التابوت في مصر القديمة لم يكن مجرد وسيلة لحفظ جسد المتوفى، وإنما كان جزءًا متكاملًا من منظومة دينية وفنية تهدف إلى ضمان استمرار وجود صاحبه في العالم الآخر.

فموقع العينين، واتجاه جسد المتوفى، والرسوم المصاحبة، وصور القرابين، والنصوص الجنائزية، جميعها كانت عناصر مترابطة تحمل دلالات تتجاوز الجانب الجمالي.

ومن خلال دراسة هذه التفاصيل، يستطيع علماء الآثار إعادة قراءة جانب من حياة المصري القديم ومعتقداته، وفهم الطريقة التي تصور بها العلاقة بين الموت والحياة، وبين المتوفى والأحياء.

عيون تنظر إلى الحياة حتى بعد الموت

ربما تبدو العينان المرسومتان على جانب التابوت للوهلة الأولى مجرد تفصيل فني، لكنهما تحملان قصة كاملة عن تصور المصري القديم للموت والحياة الأخرى.

فمن خلالهما كان المتوفى، بحسب المعتقد، قادرًا على النظر إلى الخارج ومتابعة عالم الأحياء، بينما يكشف موقعهما لعلماء الآثار عن اتجاه وجهه داخل التابوت.

وبين الوظيفة العملية والدلالة الرمزية، تظل «عيون التابوت» واحدة من التفاصيل التي تكشف براعة المصري القديم في الجمع بين الفن والعقيدة والوظيفة، وتؤكد أن كل عنصر في التابوت كان يحمل معنى ودورًا ضمن رحلة المتوفى إلى العالم الآخر.

تم نسخ الرابط