نقش هيروغليفي باهت يكشف اسم كلب مصري عمره 3500 عام في الأقصر
كشفت دراسة حديثة عن تفاصيل جديدة من حياة المصريين القدماء، بعدما تمكنت الباحثة تشيلسي كوفمان من فك نقش هيروغليفي شديد البهتان داخل مقبرة «أوسر» (TT 21) بمنطقة شيخ عبد القرنة في جبانة طيبة بالقرب من الأقصر، ليظهر اسم كلب مصري قديم ظل مجهولا لعقود.
ويعود المشهد الذي ظهر فيه الكلب إلى نحو 3500 عام، حيث كشفت المعالجة الرقمية للنقش عن اسم «dwȝ.ty»، الذي ترجمته الباحثة إلى «هو الذي من العالم الآخر»، في إشارة ترتبط بالمعتقدات المصرية القديمة والإله أنوبيس، المرتبط بالموت والعالم الآخر.
ويضيف هذا الاكتشاف اسما جديدا إلى قائمة أسماء الكلاب المعروفة في مصر القديمة، ليرتفع عدد الأسماء الموثقة إلى 97 اسما، في اكتشاف يسلط الضوء على جانب من علاقة المصريين القدماء بالحيوانات وطرق تصويرها وتسميتها داخل المقابر.
نقش باهت يكشف اسم الكلب بعد آلاف السنين
وتضم الحجرة الداخلية من مقبرة أوسر مجموعة من مناظر تقديم القرابين، يظهر في ثلاثة منها عدد من الكلاب جالسة أسفل كرسي صاحب المقبرة، فيما ترتدي هذه الحيوانات أطواقا واضحة في المشاهد.
وكانت الدراسات السابقة قد تمكنت من تحديد اسمي كلبين من الحيوانات الظاهرة في هذه المناظر، ويمكن ترجمة الاسمين إلى «القوي» و«الموثوق»، بينما ظل اسم الكلب الثالث مجهولا، بعدما ظهر في أحد المشاهد من دون تسجيل اسمه في النشر الأصلي للمقبرة.
وكان السبب في عدم التعرف على اسم الكلب أن الكتابة الموجودة خلف رأسه تعرضت للتلاشي بصورة كبيرة، ما جعل قراءة العلامات الهيروغليفية أمرا بالغ الصعوبة.
لكن الباحثة تشيلسي كوفمان أعادت فحص الصور الخاصة بالمشهد باستخدام إضافة DStretch في برنامج ImageJ، وهي أداة رقمية تساعد على إبراز الفروق في الصبغات والألوان المتبقية على الأسطح الأثرية.
وأظهرت المعالجة الرقمية تفاصيل لم تكن واضحة بالعين المجردة، من بينها حروف هيروغليفية شديدة البهتان، ما أتاح للباحثة إعادة قراءة الاسم والتعرف عليه بعد مرور آلاف السنين على تسجيله داخل المقبرة.
اسم يرتبط بالعالم الآخر وأنوبيس
وبحسب القراءة الجديدة، يحمل الكلب اسم «dwȝ.ty»، وترجمته الباحثة إلى «هو الذي من العالم الآخر»، وهو اسم يحمل دلالة لافتة في سياق المعتقدات المصرية القديمة.
ويرتبط تعبير «العالم الآخر» بالمفاهيم الدينية المرتبطة بالموت والحياة بعد الموت، كما يرتبط بالإله أنوبيس، الذي احتل مكانة بارزة في المعتقد المصري القديم بوصفه أحد الآلهة المرتبطة بـ الموت والتحنيط والانتقال إلى العالم الآخر.
ويكشف الاسم الجديد جانبا من الطريقة التي تعامل بها المصريون القدماء مع الكلاب، إذ لم تكن الحيوانات مجرد عناصر ثانوية في المشاهد الفنية، وإنما ظهرت بأسماء وصفات وملامح محددة، وهو ما يضيف أهمية خاصة لاكتشاف الاسم داخل مقبرة أوسر.
كلب بملامح مختلفة عن التصوير المعتاد
ويظهر الكلب في المشهد باللون الأبيض، بجسد نحيف، ويرتدي طوقا، فيما تبدو أذناه متدليتين وذيله منحنيا.
وتتوافق هذه الصفات مع نمط من كلاب الصيد الذي ظهر بصورة متكررة في مناظر عصر الدولة الحديثة، ويصفه علماء المصريات عادة بأنه من الكلاب الشبيهة بالسلوقي.
إلا أن اللافت في تصوير هذا الحيوان هو نمط الفراء، إذ تظهر على جسده خطوط متموجة باللون الأحمر، وهي سمة تشير كوفمان إلى عدم وجود نظير معروف لها في تمثيلات الكلاب الأخرى في الفن المصري القديم.
وتزداد خصوصية المشهد مع تشابه هذه الخطوط مع نمط الملابس التي يرتديها صاحب المقبرة أوسر في المشهد نفسه، وهو ما يضيف بعدا فنيا مميزا إلى طريقة تصوير الحيوان.
علامة هيروغليفية نادرة في اسم الكلب
ولم تقتصر خصوصية الكلب على مظهره، وإنما امتدت أيضا إلى الطريقة التي كتب بها اسمه في النقش.
فعلامة الكلب المستخدمة في نهاية الاسم تصوره في وضعية الجلوس، وهي وضعية تشبه إلى حد كبير هيئة الحيوان المرسوم أسفل كرسي أوسر.
وتعد هذه الطريقة من الحالات النادرة جدا في أسماء الكلاب المصرية القديمة، إذ كانت غالبية الأسماء المعروفة تستخدم علامة هيروغليفية تصور الكلب في وضعية الوقوف.
ويقدم الاكتشاف بالتالي تفاصيل جديدة عن أسماء الكلاب في مصر القديمة، كما يوضح الدور الذي يمكن أن تلعبه التقنيات الرقمية الحديثة في إعادة قراءة النقوش والرسومات الأثرية التي تعرضت للتلف أو التلاشي على مدار آلاف السنين.
ويؤكد اكتشاف اسم الكلب «هو الذي من العالم الآخر» أن المقابر المصرية القديمة لا تزال تحمل تفاصيل دقيقة يمكن أن تغير فهم الباحثين لجوانب مختلفة من الحياة اليومية والمعتقدات والفنون في مصر القديمة، حتى بعد مرور أكثر من ثلاثة آلاف عام على تسجيلها.
