رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

الكتابة على الشقف.. حكاية أداة تعليمية استخدمها المصريون القدماء

الأوستراكا
الأوستراكا

لم تكن الكتابة في مصر القديمة حكرًا على البردي أو جدران المعابد والمقابر، فهناك شواهد صغيرة حملت جانبًا مهمًا من تفاصيل الحياة اليومية والتعليمية، من بينها ما يعرف باسم «الأوستراكا»، وهي قطع من الفخار أو الحجر كان المصري القديم يستخدمها في الكتابة والرسم وتسجيل عدد من النصوص.

ويرجع مصطلح «أوستراكا» إلى الكلمة اليونانية «أوستراكون»، التي ارتبطت بالقطع الفخارية أو الشقف التي استُخدمت في الكتابة، وتحولت هذه القطع مع مرور الوقت إلى مصدر مهم لدراسة جوانب من الحياة اليومية والتعليم واللغة والفنون في مصر القديمة.

شقف الفخار.. أدوات للتدريب والتعليم

واستخدم المتعلمون والكتبة المبتدئون الأوستراكا في التدرب على الكتابة، حيث كانت القطعة توفر مساحة مناسبة لتكرار العلامات والكلمات والنصوص قبل الانتقال إلى مواد أكثر قيمة، مثل البردي.

ولم يقتصر استخدام هذه الشقف على الكتابة فقط، إذ عُثر على نماذج تحمل رسومات ومحاولات فنية متفاوتة في الدقة، بما يعكس مراحل مختلفة من التدريب، بداية من المحاولات السريعة وصولًا إلى الرسوم الأكثر إتقانًا.

وتكشف هذه القطع جانبًا مهمًا من العملية التعليمية في مصر القديمة، إذ لم تكن آثار الحضارة المصرية مقتصرة على الأعمال الملكية الضخمة، وإنما تركت أيضًا شواهد بسيطة توثق تفاصيل الحياة اليومية وممارسات التعلم.

من دير المدينة إلى وادي الملوك

وعُثر على أعداد كبيرة من الأوستراكا في عدد من المواقع الأثرية، خاصة في منطقة دير المدينة والدير البحري ووادي الملوك، وهي مناطق ارتبطت بصورة وثيقة بالمجتمع الذي عاش وعمل في محيط العاصمة القديمة طيبة، وبالحرفيين والكتبة الذين شاركوا في تنفيذ وتوثيق المشروعات الملكية.

وتكتسب أوستراكا دير المدينة أهمية خاصة بالنسبة للباحثين، لأنها ساعدت على التعرف إلى جوانب متعددة من حياة السكان، من خلال النصوص والرسومات التي تركوها على الشقف، بما في ذلك التدريبات الكتابية والرسوم والملاحظات اليومية.

«سنوهي» على شقفة.. الأدب يتحول إلى تمرين تعليمي

Les ostraca littéraires de Deir al-Medina - Équipe ENiM

ومن بين الموضوعات الأدبية التي ارتبطت باستخدام الأوستراكا قصة «سنوهي»، أو «سا نهت»، وهي واحدة من أشهر النصوص الأدبية في مصر القديمة.

وتشير الرواية المتداولة حول القطعة المعروضة بالمتحف القومي للحضارة المصرية إلى أنها تحمل جزءًا من قصة سنوهي مكتوبًا بالخط الهيراطيقي، وأنها ارتبطت بالتدريب على نسخ النصوص الأدبية.

ويمنح وجود نص أدبي على قطعة تدريبية تصورًا مختلفًا عن طريقة انتقال المعرفة في مصر القديمة، إذ لم تكن النصوص الأدبية مجرد أعمال للقراءة، وإنما كانت كذلك مادة يمكن للمتعلمين والكتبة التدرب على نسخها وإتقان كتابتها.

الهيراطيقي.. الكتابة السريعة للمصريين القدماء

والخط الهيراطيقي هو أحد أشكال الكتابة المصرية القديمة، وارتبط بصورة خاصة بالكتابة اليومية والإدارية والدينية والأدبية، حيث كان أكثر سرعة واختصارًا من الكتابة الهيروغليفية المستخدمة في كثير من النقوش الرسمية والزخرفية.

ولهذا تمثل الأوستراكا المكتوبة بالهيراطيقية مصدرًا مهمًا لفهم تطور الكتابة واستخداماتها، فضلًا عن كونها تكشف لنا أن تعلم الكتابة كان عملية تعتمد على التدريب والممارسة والتكرار.

قطعة صغيرة.. لكنها تحمل حكاية كبيرة

Taxes in Ancient Egypt: Types, History, Collection, Punishments | Middle East And North Africa — Facts and Details

وتكشف الأوستراكا في النهاية أن دراسة الحضارة المصرية القديمة لا تعتمد فقط على الأهرامات والمعابد والتماثيل والمقابر، وإنما يمكن لقطعة صغيرة من الفخار أن تحمل معلومات عن التعليم والأدب والكتابة والفنون والحياة اليومية.

ويقدم المتحف القومي للحضارة المصرية هذه النوعية من القطع ضمن سياق أوسع يعرض استمرارية الحضارة المصرية وتنوعها عبر العصور، في متحف يقع في قلب الفسطاط ويضم مجموعات تعكس مختلف مراحل التاريخ المصري.

وهكذا تتحول «الأوستراكا» من مجرد شقفة مهملة في ظاهرها إلى وثيقة تاريخية، تحفظ لنا أثر قلم طالب أو كاتب، وتمنح الباحثين فرصة للاقتراب من تفاصيل عملية التعلم والإبداع في مصر القديمة، قبل آلاف السنين.

تم نسخ الرابط