رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

المجلس الأعلى للآثار يحسم الجدل حول 81 قطعة مصرية معروضة في مزاد أمريكي

قطعة أثرية مصرية
قطعة أثرية مصرية

تحت أنظار المجلس الأعلى للآثار، دخلت 81 قطعة أثرية مصرية معروضة في مزاد أمريكي دائرة الفحص والتدقيق، في تحرك يفتح من جديد ملف الآثار المصرية الموجودة في أسواق الفن والمزادات خارج البلاد، ويضع السؤال الأهم أمام الجهات المختصة: كيف وصلت هذه القطع إلى المزاد، وهل تمتلك كل قطعة منها سجلًا قانونيًا يثبت مشروعية حيازتها وخروجها من مصر؟

وتأتي الواقعة بالتزامن مع مزاد تنظمه دار Artemis Fine Arts في ولاية كولورادو الأمريكية، ويضم مئات القطع الأثرية من حضارات مختلفة، بينها مجموعة من الآثار المصرية التي تعود إلى عصور وفترات تاريخية متعددة. وتظهر بيانات المزاد قطعًا مصرية من بينها رؤوس صولجانات تعود إلى عصور ما قبل الأسرات، وتمائم وأحجبة، وخرز، وقطع من الفيانس، وقطع جنائزية وغيرها.

المجلس الأعلى للآثار يدخل على خط المزاد

اللافت في القضية أن وجود القطع المصرية داخل مزاد أمريكي لا يعني بمفرده أنها خرجت من مصر بطريقة غير مشروعة، وهو ما يجعل عملية الفحص هي الحلقة الأهم في تحديد مصيرها.

وبحسب ما نشرته تقارير حديثة، تحركت الإدارة العامة لاسترداد الآثار والمنافذ الأثرية، وطالبت المجلس الأعلى للآثار بفحص الواقعة والتحقق من القطع المعروضة، تمهيدًا لتحديد موقف كل قطعة على حدة.

وهنا تبدأ المهمة الأصعب: مطابقة القطع وبياناتها مع سجلات الآثار المصرية، وفحص تاريخ الحيازة، والوثائق المصاحبة، وأي بيانات تتعلق بتصديرها أو انتقال ملكيتها عبر السنوات.

81 قطعة.. لكن 81 قصة مختلفة

ورغم جمع القطع تحت رقم واحد، فإن كل قطعة منها تحتاج إلى فحص مستقل؛ فالتاريخ الأثري وحده لا يكفي لإثبات طريقة خروجها من مصر.

وتضم قائمة المزاد نماذج مختلفة من الآثار المصرية، من بينها رأس صولجان من الهيماتيت يعود إلى عصر ما قبل الأسرات، وتمائم من الفيانس، وقطع مرتبطة بالعقائد الجنائزية، وخرز وتمائم ترجع إلى فترات تمتد من عصور مصر المبكرة وحتى العصرين المتأخر والبطلمي.

وبالتالي، فإن السؤال الذي يبحث المجلس الأعلى للآثار عن إجابته ليس فقط: هل القطعة مصرية؟، وإنما: متى ظهرت خارج مصر؟ ومن امتلكها؟ وكيف انتقلت من مالك إلى آخر؟ وهل توجد مستندات تثبت خروجها بصورة قانونية؟

«سلسلة الملكية».. مفتاح كشف الحقيقة

في مثل هذه القضايا، تصبح سلسلة الملكية واحدة من أهم الأدلة التي يمكن أن تحدد المسار القانوني للقطعة.

فوجود اسم جامع أو تاجر أو دار مزادات في سجل القطعة لا يحسم وحده مشروعية حيازتها، وإنما يجب تتبع تاريخها قدر الإمكان، ومعرفة متى ظهرت في المجموعات الخاصة، وهل سبق عرضها في مزادات أخرى، وما الوثائق التي رافقت انتقالها.

وتظهر بعض بيانات القطع المعروضة في المزاد إشارات إلى سوابق بيع سابقة في دور مزادات عالمية؛ وهو ما يجعل تتبع التاريخ الكامل للقطعة خطوة مهمة في عملية التحقق.

ماذا لو ظهرت مخالفة؟

إذا أظهر الفحص أن إحدى القطع خرجت من مصر بصورة غير قانونية، أو أن المستندات المتعلقة بها لا تثبت مشروعية حيازتها أو تصديرها، فإن الأمر يمكن أن ينتقل من مجرد مراجعة كتالوج مزاد إلى إجراءات رسمية للمطالبة بوقف البيع أو اتخاذ خطوات لاسترداد القطعة، وفقًا للوثائق والأدلة التي تظهرها كل حالة.

أما إذا أثبتت المستندات سلامة مسار قطعة معينة، فإن مجرد كونها أثرًا مصريًا معروضًا في الخارج لا يكفي وحده للمطالبة بها.

وهنا تحديدًا تكمن أهمية تحرك المجلس الأعلى للآثار؛ فالمطلوب ليس إصدار حكم مسبق على القطع، وإنما الوصول إلى الحقيقة قطعةً قطعة.

مزاد مفتوح.. وملف مصري تحت الفحص

وتكشف بيانات Artemis Fine Arts أن المزاد يشمل 517 قطعة تقريبًا في كتالوجه، مع أقسام مخصصة لفنون وآثار من مصر واليونان وروما والشرق الأدنى ومناطق أخرى. كما تذكر بيانات إحدى القطع المصرية أن الدار لا تشحن القطع الأثرية إلى بلد منشئها، ومن بينها القطع المصرية إلى مصر.

لكن هذه السياسات لا تحسم موقف أي قطعة بعينها من الناحية القانونية بالنسبة لمصر؛ فالحسم يعتمد على تاريخ كل أثر ووثائق ملكيته ومسار انتقاله.

لماذا تتعامل مصر مع المزادات باعتبارها نقطة مراقبة؟

تتحول المزادات الدولية في كثير من الأحيان إلى نافذة يمكن من خلالها التعرف على قطع أثرية ظهرت خارج موطنها الأصلي، خصوصًا مع انتشار الكتالوجات الرقمية وإتاحة صور القطع وبياناتها للجمهور.

ومن هنا تصبح عملية الرصد والمقارنة مع قواعد البيانات والسجلات الأثرية أداة مهمة في حماية التراث، إذ يمكن أن تبدأ القضية من صورة منشورة على الإنترنت، ثم تتحول إلى عملية بحث في وثائق قديمة، وتنتهي ــ إذا ثبتت المخالفة ــ بمطالبة رسمية باسترداد القطعة.

سوابق تجعل الفحص أكثر أهمية

ولا يأتي هذا التحرك بمعزل عن جهود مصر السابقة في استعادة آثار ظهرت في الولايات المتحدة وأوروبا وغيرها من الأسواق الدولية.

كما أن قضايا استرداد الآثار أثبتت أن الوثائق المصاحبة للقطعة تحتاج بدورها إلى التدقيق، إذ لا يكفي وجود مستند قديم لإثبات أن الأثر خرج من مصر بصورة قانونية ما لم يكن المستند نفسه صحيحًا ومتسقًا مع تاريخ القطعة.

ولهذا تظل قضية تابوت نجم عنخ إحدى أشهر الحالات التي توضح أهمية التدقيق في سلسلة الملكية والوثائق، بعدما تبين أن وثيقة مرتبطة بتصديره كانت مزورة، وانتهى الأمر بإعادته إلى مصر.

من المزاد إلى الحقيقة

الـ81 قطعة الموجودة في المزاد الأمريكي أصبحت الآن أمام اختبار مختلف: ليس اختبار السعر أو المزايدة، وإنما اختبار المصدر والتاريخ والملكية.

وبينما تظل القطع معروضة ضمن كتالوج المزاد، يبقى السؤال الأهم معلقًا على نتائج الفحص الذي يجريه الجانب المصري: هل تكشف الوثائق أن هذه القطع خرجت بصورة قانونية، أم أن بعضها يحمل تاريخًا آخر يستدعي تحركًا لاسترداده؟

وفي انتظار ما ستسفر عنه عملية التحقق، تظل القاعدة الأهم في هذا الملف واضحة: ليس كل أثر مصري في الخارج أثرًا مهربًا، لكن كل قطعة مشكوك في مسارها تحتاج إلى فحص دقيق قبل حسم مصيرها.

ومن هنا تأتي أهمية تحرك المجلس الأعلى للآثار، باعتباره الخطوة التي يمكن أن تنقل القضية من مجرد صور وبيانات في كتالوج مزاد إلى حقيقة موثقة حول مصير 81 قطعة مصرية.

تم نسخ الرابط