لم أكن أحب الآثار.. زاهي حواس يكشف تفاصيل الصدفة التي غيرت حياته للأبد
كيف تتحول صدفة عابرة وكارهة للتخصص إلى قصة نجاح عالمية تتردد صداها في أرجاء المعمورة؟ في رحلة ملهمة تختلط فيها بساطة الريف المصري بعزيمة الكبار، يروي عالم الآثار المصري البارز ووزير الآثار الأسبق الدكتور زاهي حواس كواليس رحلته الاستثنائية، وكيف قادته خطوات غير متوقعة ليصبح رمزًا عالميًا في حراسة التاريخ الفرعوني.
البدايات الريفية وشغف القراءة والسينما
في قرية العبيدية الواقعة بين فارسكور ودمياط، نشأ حواس وسط بيئة ريفية غنية بوعيها الثقافي المبكر، لم تكن الآثار في دائرة اهتمامه؛ بل كان شغوفًا بقراءة روايات إحسان عبد القدوس ويوسف السباعي والكتب المترجمة التي يستعيرها من جيرانه، فضلًا عن عشقه لكرة القدم وتألقه ككابتن فريق، ومواظبته الأسبوعية على ارتياد دور السينما في فارسكور ودمياط لشراء الكتب المترجمة من مصروفه الشخصي.
من حلم المحاماة إلى مقاعد الآداب
بتأثير من أفلام الفنان كمال الشناوي، التحق حواس بكلية الحقوق في جامعة الإسكندرية طامحًا في ارتداء روب المحاماة، لكن صعوبة المناهج القانونية دفعته لتركها والتحول إلى كلية الآداب، اختار قسم الآثار حديث النشأة آنذاك محض صدفة وباعتقاد خاطئ بأنه يؤهله للعمل مترجمًا، لتنتهي تلك المرحلة بتخرجه عام 1967 بتقدير مقبول ودون أي شغف حقيقي بالمجال.
الروتين والتمرد.. محاولات الهروب الفاشلة
صُدم الخبير الأثري فور تعيينه مفتشًا للآثار ببيئة العمل الروتينية والبيروقراطية، مما دفعه لبذل شتى السبل للهروب من القطاع، وحاول الالتحاق بوزارة الخارجية، وسعى للتحول إلى قطاع السياحة، وحتى شارك في دورات تدريبية بنقابة الصحفيين بجانب أسماء فنية بارزة مثل نور الشريف وعبد العزيز مخيون، لكن جميع محاولاته لتغيير مساره باءت بالفشل.
تمثال أفروديت.. شرارة الشغف التي غيرت التاريخ
جاء المنعطف الحاسم تحت التهديد بالتحقيق والخصم، حيث أُجبر حواس على المشاركة في حفائر مشروع الرياح الناصري، وهناك، وبينما كان ينظف إحدى المقابر بفرشاته البسيطة بتوجيهات من رئيس العمال التقليدي، عثر على تمثال صغير وساحر من الفاينس للإلهة أفروديت.
كانت هذه اللحظة هي الشرارة الحقيقية التي أشعلت عشقه الأبدي للآثار وأعادت صياغة مستقبله بالكامل.
رحلة الصعود من قاع الروتين إلى قمة الوزارة
عزم حواس على إعادة بناء مساره العلمي بجدية تامة؛ فحصل على دبلوم الآثار المصرية بالقاهرة، ثم تفوق على خمسمائة متقدم لينال منحة فولبرايت الشهيرة للدراسة في الولايات المتحدة.
قضى سبع سنوات في رحاب جامعة بنسلفانيا (سنتان بالمنحة وخمس على نفقة الدولة) لينال درجة الدكتوراه.
وعقب عودته، تدرج في المناصب ببراعة بدءًا من مساعد مفتش، مرورًا بمدير منطقة ومدير عام ووكيل وزارة، وصولًا إلى كرسي وزراة الآثار، مؤكدًا أن سر نجاحه يكمن في التركيز المطلق على تطوير الذات والعمل الجاد بعيدًا عن الالتفات للآخرين.

