أصر على الموت أمام تمثال خفرع.. قصة العشق الأبدي بين «مارييت باشا» ومصر
تتقاطع خيوط التاريخ المصري القديم مع حكايات عشاقه الراسخين في وجدان الوطن، ليبرز اسم عالم الآثار الفرنسي أوجست مارييت، المعروف بـ«مارييت باشا»، في الواجهة مجددا بالتزامن مع إعلان البعثة الأثرية المصرية الإسبانية المشتركة عن كشف أثري هام في منطقة سقارة، يعود إلى أواخر عصر الأسرة الخامسة في عهد الملك «جد كارع إيسسي»، وتحديدا في المنطقة المعروفة تاريخياً بـ«جبانة مارييت».
«مارييت» لا «ميريت».. تصحيح لخطأ شصع في الذاكرة واللافتات
يرتبط اسم «مارييت باشا» ارتباطا وثيقا بمؤسسة التراث المصري الحديث، فهو المؤسس التاريخي للمتحف المصري، والعاشق المتيم لآثار مصر التي كرّس حياته لحفظها والدفاع عن تاريخها من أطماع الخارج.
وفي هذا السياق، يشير المؤرخ الأثري فرنسيس أمين إلى أن هناك خطأ شائعا يجري على ألسنة الناس وفي اللافتات الرسمية وحتى محركات البحث بإطلاق اسم "ميريت" بدلا من الاسم الصحيح "مارييت".
ويؤكد فرانسيس أن أوجست مارييت يرجع إليه الفضل في اكتشاف العديد من معابد وآثار مصر، لدرجة أن الخديو إسماعيل كان يصفه بالرجل الأقوى في متحف بولاق؛ نظرا لصلابته وسطوته في رفض التنازل عن أي قطعة أثرية لملوك وملكات أوروبا الذين كانوا يتخوفون من تطرفه الشديد في حب آثار مصر.
رحلة بدأت بتمثال صغير في رمال سقارة
بدأت قصة مارييت مع الأراضي المصرية منتصف القرن التاسع عشر، وتحديدا في عام 1850م، حين حضر إلى مصر لشراء مخطوطات قبطية لمتحف اللوفر بباريس، لكن زيارته لمنطقة سقارة غيرت مسار حياته جذريا؛ إذ عثر على تمثال صغير يطل برأسه من بين الرمال يشبه أبو الهول، ليبدأ فورا أعمال التنقيب مسخرا الأموال التي خصصها للمخطوطات في كشف أسرار حدائق ومقابر سقارة، ومنها مقبرة العجول (السرابيوم) التي تضم آلاف اللوحات التذكارية والأنفاق العميقة.
ونظرا لجهوده الاستثنائية، عينته الحكومة المصرية مديراً لمصلحة الآثار، وظل في منصبه حتى وافته المنية.
وعندما اشتد عليه المرض في رحلة عودته لفرنسا، أصر وهو في إيطاليا على العودة لمصر ليموت ويدفن فيها، وطلب أن يوجه سريره قبل أن تلفظ أنفاسه الأخيرة عام 1881م ليواجه أفضل تمثال اكتشفه وهو تمثال الملك خفرع، ليتم نقل جثمانه لاحقاً في احتفال مهيب إلى حديقة المتحف المصري بالتحرير عام 1906م.
كشف جديد في «جبانة مارييت» بسقارة
يتسق هذا الإرث العريق مع ما أعلنه المجلس الأعلى للآثار برئاسة الدكتور هشام الليثي، بشأن نجاح البعثة المشتركة بين المجلس وجامعة برشلونة المستقلة بإسبانيا في الكشف عن مقبرة أثرية بمنطقة شمال سقارة.
وأوضح رئيس البعثة، الدكتور جوسيب سير فيو أوتوري، أن المقبرة تتخذ شكل مصطبة متوسطة الحجم تضم مقصورتين جنائزيتين رئيسيتين:
المقصورة الشمالية: تخص «يونمين»، الذي شغل مناصب رفيعة كالقاضي ومدير المحكمة ورئيس الكتبة، وتتميز بجدران مزينة بمناظر بارزة عالية الجودة تصور أنشطة زراعية ومواكب قرابين محتفظة بألوانها الأصلية.
المقصورة الجنوبية: تخص والده «إيتي»، وتضم بابا وهميا وزخارف جدارية ملونة.
وأكد الدكتور عمرو الطيبي، مدير عام منطقة آثار سقارة، انتهاء أعمال الحفائر والتوثيق والترميم الكامل للعناصر المعمارية، ليظل اسم "مارييت باشا" والاكتشافات الحديثة صفحتين مضيئتين ترويان عبقرية التاريخ المصري عبر العصور.


