رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

6.7 متر من الرعب البحري.. ماذا تكشف حفريات أسماك القرش في أبو طرطور؟

Go Egypia

 

 تكشف طبقات منطقة أبو طرطور اليوم جزءًا من المشهد الصحراوي الجاف في جنوب غرب مصر عن قصة مختلفة تمامًا تعود إلى عشرات الملايين من السنين؛ إذ نجح فريق بحثي من قسم الجيولوجيا بكلية العلوم في جامعة القاهرة، بالتعاون مع باحثين من سويسرا وباحث مصري من شركة فوسفات مصر، في توثيق تجمع حفري استثنائي لأسماك القرش يعود إلى العصر الكريتاسي المتأخر، قبل أكثر من 70 مليون عام.

وأطلقت الجامعة على الموقع وصف «مقبرة لأسماك القرش»، في إشارة إلى الكمية والتنوع اللافتين للأسنان الأحفورية التي عُثر عليها في طبقات تكوين الضوي بأبو طرطور، والتي تكشف جانبًا من الحياة البحرية التي كانت موجودة في المنطقة قبل أن تتحول إلى الصحراء التي نعرفها اليوم.

7 أنواع من أسماك القرش في قلب الصحراء

أظهرت نتائج دراستين علميتين أن التنوع المعروف لأسماك القرش اللامنية في منطقة أبو طرطور يصل إلى 7 أنواع تنتمي إلى 5 أجناس، وهو ما يجعل الموقع واحدًا من المواقع الغنية بحفريات أسماك القرش المعروفة في مصر.

وتضمنت الدراسة الأولى، التي نُشرت في دورية Historical Biology، توثيق 49 سنًا أحفوريًا تنتمي إلى نوعين من أسماك القرش المنقرضة، بينما قدمت الدراسة الثانية، المنشورة في دورية Cretaceous Research، وصفًا لـ14 سنًا إضافية تمثل خمسة أنواع أخرى.

وبعض هذه السجلات يمثل إضافات جديدة إلى المعرفة الأحفورية في مصر وأفريقيا، فيما يرجح الباحثون أن أحد الأنواع قد يمثل أول سجل له في مصر وأفريقيا، مع الحاجة إلى عينات إضافية لتأكيد هذا التصنيف بصورة قاطعة.

قرش بطول 6.7 متر.. مفاجأة في الحفريات

من بين أكثر التفاصيل إثارة في الاكتشاف، ما كشفته بعض الأسنان الأحفورية من أن أفرادًا من جنس Scapanorhynchus ربما وصل طولها إلى نحو 6.7 متر.

وهذا الرقم يمنح صورة عن حجم بعض المفترسات التي كانت تتحرك في البحار التي غمرت أجزاء من مصر خلال العصر الكريتاسي المتأخر، إلى جانب أسماك أصغر ومفترسات بحرية أخرى شكلت معًا نظامًا بيئيًا متنوعًا.

عندما كانت أبو طرطور قاع بحر

الصور الحالية لأبو طرطور، بما تحمله من صخور وصحراء وفوسفات، تخفي تاريخًا جيولوجيًا مختلفًا تمامًا.

وتشير الدراسة إلى أن طبقات الفوسفات في تكوين الضوي ترسبت في بيئة بحرية استوائية إلى شبه استوائية خلال العصر الكريتاسي المتأخر، وكانت غنية بالمغذيات ومرتفعة الإنتاجية الحيوية، بما سمح بوجود شبكة غذائية ضمت كائنات بحرية متنوعة، من الأسماك الصغيرة إلى المفترسات المتوسطة وأسماك القرش الكبيرة.

وبذلك تتحول صخور الصحراء الغربية إلى سجل طبيعي يوثق مرحلة كان فيها البحر يمتد جنوبًا داخل ما يعرف اليوم بالأراضي المصرية.

من مشروع تخرج إلى بحث دولي

القصة لا تتعلق بالاكتشاف وحده، وإنما بالطريقة التي بدأ بها أيضًا.

فبحسب جامعة القاهرة، انطلقت البداية من عينات أحفورية أحضرها الجيولوجي الحسين إبراهيم من شركة فوسفات مصر، وحُفظت في معمل الحفريات الفقارية بقسم الجيولوجيا بكلية العلوم.

ثم تحولت هذه العينات إلى مشروع تخرج للطالب طارق ياسين، الطالب بالفرقة الرابعة بقسم الجيولوجيا، تحت إشراف الدكتور محمد قرني عبد الجواد. ولم تتوقف الدراسة عند حدود مشروع التخرج، إذ أُجريت رحلة ميدانية إضافية إلى أبو طرطور لجمع عينات جديدة ودراسة الطبقات الحاملة للحفريات.

ومع توسع العمل، دخل باحثون من سويسرا في المشروع، ليخرج في النهاية من إطار الدراسة الجامعية إلى أبحاث منشورة في دوريات علمية دولية متخصصة.

ليست مجرد «مقبرة».. بل أرشيف لبحر قديم

ورغم التعبير اللافت «مقبرة أسماك القرش»، فإن القيمة العلمية للاكتشاف تتجاوز فكرة العثور على مجموعة من الأسنان.

فالدراسة تشير إلى أن التجمع الحفري قد يعكس تراكمًا للأحافير عبر فترات زمنية وبيئات مختلفة، ولذلك لا يعني بالضرورة أن جميع أسماك القرش المكتشفة عاشت في المكان نفسه وفي الفترة الزمنية ذاتها.

وهنا تكمن أهمية الموقع؛ فكل سن أحفوري يمثل جزءًا من سجل أكبر يمكن للباحثين من خلاله إعادة بناء طبيعة النظم البيئية البحرية القديمة، وفهم انتشار أسماك القرش في شمال أفريقيا خلال العصر الكريتاسي المتأخر.

أبو طرطور تعيد كتابة تاريخ الصحراء

يحمل اكتشاف أبو طرطور رسالة أوسع من حدود علم الحفريات؛ فالصحراء الغربية المصرية التي تبدو اليوم واحدة من أكثر البيئات جفافًا، كانت في حقب جيولوجية سحيقة مسرحًا لحياة بحرية غنية.

ومن خلال الأسنان المتحجرة، وطبقات الصخور الحاملة لها، يستطيع العلماء استعادة أجزاء من عالم اختفى منذ عشرات الملايين من السنين، والتعرف إلى أنواع كانت تسبح في بحار قديمة لم يعد لها وجود.

واللافت أن الشرارة الأولى لهذا العمل جاءت من مشروع تخرج لطالب، قبل أن تتطور إلى تعاون بحثي دولي ودراستين منشورتين علميًا، بما يعكس كيف يمكن لعينات صغيرة محفوظة داخل معمل جامعي أن تفتح بابًا واسعًا لفهم تاريخ الحياة على أرض مصر.

الصحراء التي تخفي بحرًا عمره 70 مليون سنة

في النهاية، لا تبدو «مقبرة أسماك القرش» في أبو طرطور مجرد موقع حفري جديد، وإنما نافذة على مصر أخرى سبقت مصر التي نعرفها بآلاف الآلاف من العصور؛ مصر كانت فيها المياه تغطي مساحات واسعة من الأرض، وكانت أسماك القرش تتحرك بين كائنات بحرية متنوعة في نظام بيئي غني.

واليوم، وبعد أكثر من 70 مليون عام، تعود تلك القصة إلى الظهور من خلال أسنان صغيرة احتفظت بها الصخور، لتكشف أن الصحراء ليست دائمًا دليلًا على غياب البحر، وأن طبقات الأرض قد تحمل في صمتها ذاكرة أقدم بكثير من التاريخ البشري. ومن أبو طرطور، تتحول الحفريات إلى صفحات من كتاب جيولوجي مفتوح، يتيح للعلماء إعادة تصور عالم بحري كامل اختفى، بينما بقيت آثاره مدفونة في قلب الصحراء الغربية حتى اكتشفها الباحثون من جديد.

تم نسخ الرابط