الاستدامة تفتح أبواب الاستثمار السياحي.. الرقمنة البيئية تعزز تنافسية مصر
لم تعد الاستدامة البيئية مجرد ملف تنظيمي منفصل عن خطط الاستثمار السياحي، بل تحولت إلى أحد العوامل الرئيسية التي تحدد قدرة المدن والوجهات السياحية على جذب رؤوس الأموال والمشروعات الجديدة، خاصة مع تشدد المعايير الدولية المتعلقة بالبيئة وخفض الانبعاثات، ومع هذا التحول، تبرز الرقمنة وتوفير البيانات البيئية كعنصر أساسي في المنافسة على الاستثمارات السياحية خلال السنوات المقبلة.
وفي هذا الإطار، شهد الدكتور محمد فريد، وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، والدكتورة منال عوض، وزيرة التنمية المحلية والبيئة، توقيع بروتوكول تعاون بين الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات وجهاز شئون البيئة، بهدف تبادل البيانات الخاصة بسجل البيانات البيئية الموحد للقطاع الصناعي، بالتزامن مع إطلاق النظام الرقمي المتكامل لتقييم التأثير البيئي «IDEIA».
البيانات البيئية تدعم قرارات المستثمرين
ورغم أن البروتوكول يرتبط بصورة مباشرة بالقطاع الصناعي، فإن تداعياته تمتد إلى قطاعات أخرى، وفي مقدمتها السياحة، التي تشهد توسعا متزايدا في تطبيق معايير الاستدامة وإدارة الموارد.
وتعتمد المشروعات الفندقية والمنتجعات والوجهات السياحية الحديثة بصورة أكبر على كفاءة استخدام الطاقة والمياه وإدارة المخلفات وتقليل التأثير البيئي، فيما أصبحت سرعة الحصول على البيانات والتقييمات البيئية عاملا مؤثرا في دورة تنفيذ المشروعات وقدرة المستثمر على اتخاذ القرار.
وتتيح قاعدة البيانات البيئية الموحدة رفع كفاءة اتخاذ القرار وتعزيز مستويات الشفافية والمتابعة، بما يساعد المستثمرين على التعرف بشكل أوضح على المتطلبات البيئية وتقليل المخاطر المرتبطة بإجراءات التراخيص والتشغيل.
كما تمنح الجهات الحكومية قدرة أكبر على التخطيط للمناطق القابلة للتنمية السياحية، وفقا لمعايير بيئية واضحة تستند إلى بيانات دقيقة ومحدثة.
الاستثمار الحديث يرتبط بالاستدامة
وأكد وزير الاستثمار والتجارة الخارجية أن مفهوم الاستثمار الحديث أصبح يرتبط بصورة متزايدة بالكفاءة والشفافية والاستدامة، بالتوازي مع ضرورة استعداد الاقتصاد المصري للتحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، ومن بينها آلية تعديل حدود الكربون «CBAM».
ويمثل هذا الاتجاه أهمية خاصة لقطاع السياحة، في ظل خطط مصر للتوسع في الاستثمارات الفندقية وتنمية وجهات سياحية جديدة، إذ لم يعد تقييم المشروع السياحي يعتمد فقط على عدد الغرف والطاقة الاستيعابية، وإنما بات يرتبط أيضا بقدرته على تقديم منتج سياحي منخفض الأثر البيئي وقابل للاستمرار على المدى الطويل.
ومع تزايد اهتمام المستثمرين العالميين بالمعايير البيئية، يمكن للوجهات السياحية التي تمتلك منظومة واضحة لإدارة الموارد والبيانات البيئية أن تتمتع بميزة تنافسية أكبر في جذب الاستثمارات.
وتساعد الرقمنة في تقليل الوقت اللازم للوصول إلى المعلومات والتقييمات البيئية، كما ترفع كفاءة المتابعة وتدعم التنسيق بين الجهات المعنية، وهو ما يمكن أن ينعكس على سرعة تنفيذ المشروعات وتحسين بيئة الاستثمار.
ولا تقتصر أهمية هذه المنظومة على المستثمر الأجنبي، بل تمتد أيضا إلى المستثمر المحلي، الذي يحتاج إلى وضوح المتطلبات والإجراءات والبيانات المرتبطة بالمشروع قبل ضخ رؤوس الأموال.
مصر أمام فرصة لبناء وجهات سياحية أكثر استدامة
وتحول الرقمنة البيئية البيانات من مجرد أداة رقابية إلى عنصر أساسي في البنية التحتية للاستثمار، بما يمكن أن يدعم سرعة اتخاذ القرار، ويحسن جودة التخطيط، ويقلل المخاطر المرتبطة بالمشروعات الجديدة.
ومع استمرار مصر في التوسع في إنشاء المدن والوجهات السياحية الجديدة، تبرز أهمية دمج الاستدامة والرقمنة في مراحل التخطيط والتنفيذ والتشغيل، بما يعزز قدرة القطاع السياحي على مواكبة المعايير الدولية ويدعم تنافسية المقصد المصري.
وبذلك، لا تصبح الرقمنة البيئية مجرد خطوة لتطوير الإجراءات الحكومية، وإنما تتحول إلى «بنية تحتية استثمارية» يمكن أن تمنح مصر فرصة أكبر لجذب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية، وبناء وجهات سياحية أكثر كفاءة واستدامة وقدرة على المنافسة في الأسواق العالمية.


