رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

كيف عرف المصريون القدماء غزة؟ ولماذا ظهرت في حوليات تحتمس الثالث؟

 تحتمس الثالث
تحتمس الثالث

قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام، كان اسم غزة حاضرًا في واحدة من أهم السجلات العسكرية التي تركها المصريون القدماء. لم تكن الإشارة مجرد اسم عابر لمدينة على الطريق، وإنما جاءت ضمن رواية ملكية تسجل تحركات جيش الفرعون تحتمس الثالث خلال حملته العسكرية في بلاد الشام.

وفي حوليات تحتمس الثالث، المنقوشة في معبد آمون بالكرنك، يظهر اسم غزة أثناء العام الثالث والعشرين من حكم الملك، عندما وصل الجيش المصري إلى المدينة في طريقه إلى حملة مجدو. وتقدم هذه السجلات تفاصيل دقيقة عن مسار الحملة، بما في ذلك أيام الوصول والمغادرة والتحركات اللاحقة للجيش.

وهكذا، فإن السؤال «كيف عرف المصريون القدماء غزة؟» يقودنا إلى فترة كانت فيها مصر قوة إقليمية واسعة النفوذ، وكانت مدن جنوب بلاد الشام جزءًا مهمًا من شبكة الطرق والمناطق التي تحركت فيها الجيوش المصرية.

غزة على طريق جيش تحتمس الثالث

Thutmose III - Explore Luxor

تعود القصة إلى الحملة الآسيوية الأولى لتحتمس الثالث، التي ارتبطت بالتحرك المصري نحو مجدو لمواجهة تحالف من حكام المنطقة. وتذكر حوليات الملك أن الجيش وصل إلى غزة في اليوم الرابع من الشهر الأول من فصل الصيف في العام الثالث والعشرين من حكمه.

ولم يكن الوصول إلى غزة نهاية الرحلة، بل كانت المدينة محطة في مسار الحملة. فبعدها بيوم واحد غادر الجيش متجهًا شمالًا، قبل أن يصل لاحقًا إلى مدينة يَحِم، حيث عقد تحتمس الثالث اجتماعًا مع قادة جيشه لمناقشة الطريق الأنسب للوصول إلى مجدو.

وتكشف هذه التفاصيل أن غزة كانت مرتبطة بشبكة الحركة العسكرية المصرية في بلاد الشام، وأن موقعها جعلها نقطة مهمة على الطريق الذي سلكه الجيش في حملته باتجاه منطقة مجدو.

ماذا كتب الفراعنة عن غزة؟

تمنح حوليات تحتمس الثالث أهمية خاصة لاسم المدينة، إذ تذكرها باسم مصري يُترجم عادة إلى معنى قريب من «ما استولى عليه الحاكم»، ثم تشير إلى أن اسمها السوري هو غزة. وتظهر هذه الصيغة في النص الذي يسجل وصول الملك إلى المدينة في بداية الحملة.

وتكتسب هذه الإشارة أهميتها من كونها جزءًا من سجل ملكي مفصل للحملات العسكرية. فحوليات تحتمس الثالث لا تقدم مجرد قائمة بأسماء الأماكن، وإنما تسجل تحركات الجيش والأحداث والقرارات التي اتخذها الملك خلال حملاته في آسيا.

ولهذا تمثل هذه النصوص مصدرًا مهمًا لفهم طبيعة العلاقات المصرية مع بلاد الشام خلال عصر الدولة الحديثة، كما تقدم لمحة عن الدور الذي لعبته المدن الواقعة على طرق الحملات المصرية.

لماذا كانت غزة مهمة؟

Archäologie: Diese Schlacht wurde Inbegriff eines endzeitlichen Gemetzels - WELT

لم تكن أهمية غزة بالنسبة للمصريين القدماء مرتبطة بالاسم وحده، وإنما بموقع المدينة ضمن شبكة الطرق التي تربط مصر بجنوب بلاد الشام. فالجيش المصري الذي خرج من منطقة الدلتا كان بحاجة إلى التحرك عبر طرق معروفة ومواقع يمكن أن يمر بها في طريقه إلى مناطق الصراع.

ومن غزة، بدأ فصل جديد من الحملة. فقد تحرك الجيش نحو الشمال، وعندما وصل إلى يَحِم واجه تحتمس الثالث قرارًا عسكريًا صعبًا بشأن الطريق المؤدي إلى مجدو، حيث كانت قوات الخصوم متمركزة.

وسجلت الحوليات تفاصيل هذا النقاش، بما في ذلك اعتراض بعض قادة الجيش على الطريق الضيق، قبل أن يقرر تحتمس الثالث اختيار الطريق المباشر عبر ممر أرونا. وبعد عبور الممر، وصل الجيش إلى منطقة مجدو وبدأت المواجهة.

من غزة إلى مجدو.. رحلة عسكرية

تكشف رحلة الجيش عن أهمية الموقع الجغرافي لغزة في فهم الحملة. فبعد الوصول إليها، لم يتوقف التحرك، بل استمر الجيش باتجاه مناطق أخرى في كنعان، وصولًا إلى مجدو التي كانت هدف الحملة الرئيسية.

وكانت معركة مجدو واحدة من أشهر الحملات العسكرية لتحتمس الثالث، وقد سجلتها النقوش المصرية بتفاصيل استثنائية مقارنة بالعديد من الحملات الأخرى، لتصبح واحدة من أبرز الوقائع العسكرية التي حفظتها النصوص المصرية القديمة.

وتشير الرواية المصرية إلى أن قوات تحتمس الثالث هزمت قوات التحالف عند مجدو، ثم لجأ الخصوم إلى داخل المدينة، لتبدأ مرحلة حصار طويلة انتهت بسيطرة المصريين عليها. وبذلك أصبحت غزة جزءًا من الطريق الذي قاد الجيش المصري إلى واحدة من أبرز معاركه في بلاد الشام.

غزة في الذاكرة المصرية القديمة

ولا تتوقف أهمية الإشارة إلى غزة عند حملة تحتمس الثالث وحدها؛ فالدراسات المتخصصة في النصوص المصرية تشير إلى أن المدينة ظهرت لاحقًا في وثائق أخرى من عصر الدولة الحديثة، ما يعكس استمرار حضورها في المجال المصري خلال تلك الفترة.

وتكشف هذه الوثائق أن العلاقة بين مصر ومدن بلاد الشام لم تكن حدثًا عسكريًا عابرًا، بل كانت جزءًا من شبكة سياسية وإدارية وعسكرية امتدت عبر فترات مختلفة من الدولة الحديثة.

وبالنسبة لغزة، فإن ظهور اسمها في السجلات المصرية القديمة يمنحها مكانة خاصة في دراسة تاريخ المنطقة، لأنه يضع المدينة ضمن واحدة من أقدم السجلات التاريخية التي وصلت إلينا عن التفاعل بين مصر وبلاد الشام.

قصة مدينة عبر آلاف السنين

عندما نقرأ اليوم اسم غزة في حوليات تحتمس الثالث، فإننا لا نقرأ فقط اسم مدينة، وإنما نفتح نافذة على عالم مختلف تمامًا؛ عالم كانت فيه الجيوش تتحرك لأيام بين المدن، وكانت أخبار الحملات تُسجل على جدران المعابد لتبقى جزءًا من ذاكرة الدولة والملك.

وبينما كانت غزة بالنسبة إلى جيش تحتمس الثالث محطة على طريق حملة عسكرية، أصبحت الإشارة إليها اليوم قطعة من تاريخ طويل يساعد الباحثين على فهم الجغرافيا والسياسة والحركة بين مصر وبلاد الشام في عصر الدولة الحديثة.

وربما تكمن المفارقة في أن اسم المدينة الذي سجله كاتب مصري قديم قبل آلاف السنين لا يزال حاضرًا حتى اليوم؛ فالحروف القديمة التي حفظت خبر وصول جيش فرعوني إلى غزة تحولت مع مرور الزمن إلى شهادة تاريخية على أن المدينة كانت حاضرة في المنطقة منذ عصور سحيقة.

غزة التي عرفها تحتمس الثالث لم تكن مجرد اسم في سجل عسكري؛ كانت محطة على طريق جيش مصري، ونقطة في شبكة علاقات امتدت بين وادي النيل وبلاد الشام، وتركت لنا حوليات الكرنك تفاصيلها لتبقى شاهدة على تاريخ مدينة عبر آلاف السنين.

تم نسخ الرابط