بمليار دولار حتى 2030.. خطة حكومية لتحويل الأصول الفندقية إلى محفظة استثمارية
تدخل الدولة المصرية مرحلة جديدة في إدارة أصولها السياحية والفندقية، لا تكتفي خلالها بالحفاظ على الفنادق والمنشآت التاريخية المملوكة لها، وإنما تستهدف تحويل هذه الأصول إلى محفظة استثمارية قادرة على توليد إيرادات مستدامة وتعظيم موارد النقد الأجنبي، بالتوازي مع التوسع في الطاقة الفندقية واستقطاب علامات عالمية جديدة إلى السوق المصرية.
تكشف الموازنة التقديرية للشركة القابضة للسياحة والفنادق وشركاتها التابعة للعام المالي 2026/2027 عن توجه استثماري واسع، يستهدف تحقيق إيرادات مجمعة تصل إلى 9.4 مليار جنيه، وصافي ربح متوقع يبلغ نحو 5.5 مليار جنيه، في خطوة تعكس تصاعد أهمية القطاع الفندقي باعتباره أحد الأدوات الرئيسية لتعظيم الاستفادة الاقتصادية من النمو المتوقع في الحركة السياحية الوافدة إلى مصر.
وجاء اعتماد الموازنة خلال اجتماع الجمعية العمومية للشركة القابضة للسياحة والفنادق، برئاسة الدكتور حسين عيسى، نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية، وبحضور أعضاء الجمعية العامة ومجلس الإدارة وممثلي الجهاز المركزي للمحاسبات ووزارة المالية.
مليار دولار لإعادة تشغيل الثروة الفندقية المصرية
اللافت في الخطة الجديدة أنها تتجاوز مفهوم التطوير التقليدي للفنادق إلى إعادة بناء محفظة الأصول السياحية المملوكة للدولة وفق رؤية استثمارية تمتد حتى عام 2030، باستثمارات إجمالية تقترب من مليار دولار.
تستهدف الخطة إضافة نحو 1700 غرفة فندقية جديدة، إلى جانب استقطاب علامات فندقية عالمية تدخل السوق المصرية للمرة الأولى، وهو ما يفتح الباب أمام زيادة الطاقة الاستيعابية ورفع مستويات المنافسة وتطوير جودة الخدمات الفندقية.
تكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل ارتفاع الطلب على المقصد المصري، والحاجة إلى توفير غرف فندقية جديدة في المدن والمقاصد الأكثر جذبا للسائحين، خاصة القاهرة والساحل الشمالي والبحر الأحمر والأقصر وأسوان.
بذلك تتحول الفنادق والأراضي والمباني التاريخية من أصول ساكنة إلى أدوات لإنتاج قيمة اقتصادية وسياحية، عبر الجمع بين التمويل والاستثمار والتشغيل الاحترافي والشراكة مع القطاع الخاص والعلامات الفندقية الدولية.
شبرد والكونتيننتال.. إحياء التاريخ بعائد استثماري
تتصدر عملية إحياء الأصول التاريخية جانبا مهما من الخطة، وفي مقدمتها تطوير فندق شبرد على كورنيش النيل وإحياء فندق الكونتيننتال، إلى جانب تطوير فندق النيل ريتز كارلتون بوسط القاهرة.
لا تمثل هذه المشروعات مجرد عمليات ترميم أو تحديث لمبان فندقية قديمة، وإنما تستهدف إعادة دمج هذه الأصول في المنتج السياحي المصري الحديث، بما يسمح باستعادة قيمتها الاقتصادية والتاريخية في الوقت ذاته.
يمثل توظيف الفنادق التاريخية في القاهرة فرصة لتعزيز سياحة المدن والتراث والرفاهية، خاصة مع تزايد اهتمام الأسواق الدولية بالتجارب السياحية التي تجمع بين الإقامة الفندقية والتاريخ والعمارة والثقافة.
تتوزع الاستثمارات الجديدة على عدد من المقاصد السياحية المصرية، بما يعكس محاولة لتنويع الخريطة الفندقية وعدم تتركّز الاستثمارات في القاهرة وحدها.
تتضمن الخطة امتداد فندق اللسان برأس البر، ومنتجع جاز أصيلة بمرسى علم، وتطوير فندق جيت بيتش بالسخنة، وامتداد فندق أورا بالساحل الشمالي، إلى جانب مشروع استغلال مبنى قصر القطن بالإسكندرية في نشاط فندقي وعقاري.
كما تتضمن الخطة تنفيذ مشروع فورسيزونز الأقصر بالشراكة مع القطاع الخاص، وهو مشروع يمكن أن يدعم قدرة الأقصر على جذب شرائح جديدة من السياحة الفاخرة، ورفع متوسط الإنفاق السياحي، وتعزيز سياحة الإقامة إلى جانب السياحة الثقافية.
في أسوان، شهدت الفترة الأخيرة تطوير فندق نفرتاري بأبوسمبل، بينما تتواصل مشروعات تطوير فنادق في دهب والعريش، إلى جانب تطوير فندق أراكان برأس البر بمشاركة القطاع الخاص.
الشراكة مع القطاع الخاص.. مفتاح تعظيم قيمة الأصول
تعكس الخطة توجهَا حكوميا واضحا نحو توسيع الشراكة مع القطاع الخاص في إدارة وتشغيل وتطوير الأصول السياحية، بما يسمح بتوفير التمويل والخبرات التشغيلية والتسويقية اللازمة، مع احتفاظ الدولة بدورها في إدارة أصولها وتعظيم عوائدها.
أكد الدكتور حسين عيسى أن الحكومة تعمل على تنفيذ برنامج شامل لإعادة هيكلة وتطوير أداء الشركات المملوكة للدولة، وتحسين كفاءتها المالية والتشغيلية، مع تعزيز الحوكمة والشفافية وتمكين القطاع الخاص باعتباره شريكا رئيسيا في التنمية.
تكتسب هذه الرؤية أهمية مضاعفة في القطاع السياحي، حيث لا ترتبط قيمة الأصل الفندقي بالمبنى وحده، وإنما بقدرته على جذب السائح ورفع معدلات الإشغال وزيادة متوسط سعر الغرفة وإطالة مدة الإقامة، وهو ما يجعل الإدارة والتسويق والعلامة التجارية عوامل لا تقل أهمية عن الإنشاءات نفسها.
التكنولوجيا تدخل سباق المنافسة السياحية
لا تتوقف الخطة عند زيادة عدد الغرف الفندقية، إذ تتجه الشركة القابضة إلى إدخال التكنولوجيا في تطوير التجربة السياحية، من خلال التوسع في استخدام تقنيات الواقع الافتراضي بالمواقع الأثرية والسياحية.
بدأت هذه التجربة بالفعل في منطقة الأهرامات، مع خطط لإطلاقها في مطار القاهرة ومعبد الكرنك بالأقصر، بما يعكس توجهَا نحو تحويل المواقع السياحية إلى تجارب أكثر تفاعلية وجذبا للأجيال الجديدة من السائحين.
تشمل المشروعات تطوير عروض الصوت والضوء بمنطقة الأهرامات بالشراكة مع القطاع الخاص، إلى جانب تحديث أسطول النقل السياحي بشركة مصر للسياحة وتطبيق نظام إدارة الموارد المؤسسية بالشركات التابعة.
هنا تبرز زاوية مهمة في الخطة، وهي أن الاستثمار السياحي لم يعد مرتبطا بالفندق وحده، بل أصبح منظومة متكاملة تشمل النقل والترفيه والتكنولوجيا والمطاعم والخدمات والتجارب الثقافية.
يأتي تطوير أسطول النقل السياحي ليكمل عملية تحديث المنتج السياحي، إذ إن جودة الرحلة لا تتحدد بمستوى الفندق فقط، وإنما تبدأ من لحظة وصول السائح إلى المطار مرورَا بوسائل الانتقال والزيارات والأنشطة وحتى المغادرة.
تستهدف المشروعات الجديدة دعم قدرة الشركات التابعة على تقديم خدمات أكثر تكاملا، بما يرفع القدرة التنافسية للمقصد المصري ويعزز فرص زيادة الإنفاق السياحي داخل الاقتصاد المحلي.
تتضمن الخطة مشروعات عقارية في الساحل الشمالي والمعمورة والإبراهيمية بالإسكندرية وبورسعيد، إلى جانب تأسيس مطعم سياحي جديد في خان الخليلي، بما يوسع نطاق الاستثمار من الإقامة الفندقية إلى قطاعات الضيافة والترفيه والعقار السياحي.
الاستثمار في العنصر البشري.. الوجه الآخر للخطة
في الوقت نفسه، تضع الخطة تطوير العنصر البشري ضمن أدوات رفع كفاءة القطاع، من خلال تعظيم دور المعاهد الفندقية التابعة لشركة إيجوث وتأهيل الكوادر للعمل في المنشآت السياحية والفندقية الحديثة.
تبرز أهمية هذا المحور في ظل التوسع المستهدف في الطاقة الفندقية، إذ إن إضافة الغرف وحدها لا تكفي لتحقيق عائد استثماري مستدام ما لم تتوافر العمالة المدربة القادرة على تقديم خدمة تتوافق مع المعايير الدولية.
تكشف تفاصيل خطة الشركة القابضة للسياحة والفنادق عن تحول في فلسفة التعامل مع الأصول العامة، من مجرد امتلاك وإدارة منشآت سياحية إلى بناء محفظة استثمارية متعددة الأنشطة، تجمع بين الفنادق التاريخية والمنتجعات الشاطئية والمشروعات العقارية والترفيهية والنقل السياحي والتكنولوجيا.
يبدو أن الرهان الأكبر خلال السنوات المقبلة يتمثل في قدرة هذه الاستثمارات على تحقيق معادلة مزدوجة: الحفاظ على قيمة الأصول التاريخية من ناحية، وتحويلها إلى مصادر دخل ونقد أجنبي من ناحية أخرى.
مع استهداف إضافة 1700 غرفة فندقية واستثمارات تقترب من مليار دولار حتى 2030، تصبح عملية التطوير جزءا من معركة أوسع لتعزيز قدرة مصر على استيعاب النمو السياحي المتوقع، وزيادة متوسط إنفاق السائح، ورفع جودة التجربة، وتحويل الأصول المملوكة للدولة إلى أحد محركات الاستثمار السياحي والنمو الاقتصادي.
بذلك لا تبدو الخطة مجرد موازنة سنوية لشركات فندقية، وإنما محاولة لإعادة صياغة دور الأصول السياحية الحكومية في الاقتصاد المصري، بحيث تصبح الفنادق التاريخية والمنتجعات والمواقع السياحية والمشروعات العقارية أدوات متكاملة لدعم السياحة، وجذب الاستثمارات، وتوفير العملة الصعبة، وتعزيز مكانة مصر على خريطة السياحة العالمية.


