معلومات الوزراء: 66.6% من القوى العاملة العالمية بقطاع التصنيع تتركز في آسيا
أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، عددًا جديدًا من مجلته العلمية المحكمة ربع السنوية "آفاق صناعية"، والتي تهدف إلى تقديم رؤى وتحليلات معمقة حول أهم المستجدات في القطاع الصناعي على المستويين المحلي والعالمي، من خلال مشاركة نخبة من الخبراء والمتخصصين في المجالات الصناعية المختلفة، بالإضافة إلى عرض وتحليل اتجاهات الصناعة والتكنولوجيا المرتبطة بها.
وأشار المركز إلى أن القضايا الصناعية أصبحت في العقود الأخيرة من أبرز القضايا المحورية التي تؤثر بعمق في مسارات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، سواء على المستوى الوطني أو الإقليمي أو الدولي، ولا سيما في ظل التحولات الهيكلية المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، وتنامي التنافسية الصناعية، وتطور سلاسل القيمة العالمية فضلا عن التحديات المتزايدة المرتبطة بالتحول التكنولوجي، والرقمنة، والاستدامة البيئية، وقد فرض هذا الواقع الجديد على الدول إعادة النظر في نماذجها الصناعية التقليدية، والسعي إلى تطوير سياسات صناعية أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع المتغيرات الدولية، بما يحقق التوازن بين النمو الاقتصادي وتعزيز القيمة المضافة والحفاظ على الموارد. وفي هذا السياق بات تطوير القطاع الصناعي أكثر ارتباطًا بقضايا استراتيجية معاصرة، مثل التحول الرقمي، والصناعة الخضراء، وكفاءة استخدام الموارد والاندماج في سلاسل الإنتاج العالمية بما يسهم في رفع تنافسية الدول ومواجهة التحديات الاقتصادية العالمية المتزايدة.
تضمن العدد الجديد من مجلة آفاق صناعية ثلاثة أقسام رئيسة: أولها يتناول الأوراق البحثية المحكمة والتي شارك في إعدادها أساتذة وأكاديميون متخصصون، وثانيها عروض التقارير ذات الصلة بقطاع الصناعة والتي صدرت عن مختلف المؤسسات ومراكز الفكر الدولية، وثالثها المؤشرات الدولية ذات الصلة بقطاع التصنيع والتي تبرز التطورات والتوجهات الراهنة في القطاع الصناعي على المستويين المحلي والعالمي.
وقد ركزت الأوراق البحثية داخل العدد على مجموعة من الموضوعات الحيوية والمستقبلية التي تخص التحولات في القطاع الصناعي، ومنها ورقة جاءت تحت عنوان: "أثر السياسات المناخية للاتحاد الأوروبي في تحولات قطاع التصنيع العالمي: التحديات والفرص في ظل التحول نحو الاقتصاد منخفض الكربون"، والتي سلطت الضوء على السياسات كإحدى المحددات الرئيسة لإعادة تشكيل أنماط الإنتاج وسلاسل القيمة الدولية، وفي هذا الصدد لفتت الورقة إلى اعتماد الاتحاد الأوروبي مجموعة من الأدوات التنظيمية والاقتصادية، مثل نظام تداول الانبعاثات وآلية تعديل حدود الكربون (CBAM) وحزمة (55 Fit for) بهدف خفض الانبعاثات الكربونية وتحقيق الحياد المناخي.
كما جاءت ورقة بحثية أخري تحت عنوان: "دور التقنيات الحديثة في استدامة صناعة السفن: الوضع الحالي وآفاق المستقبل"، وناقشت التقنيات الحديثة في صناعة بناء السفن في ظل التوجه العالمي نحو الاستدامة وتقليل الانبعاثات الكربونية في قطاع النقل البحري، الذي يمثل أكثر من 80% من حجم التجارة العالمية، كما سلَّطت الضوء على التحديات البيئية المرتبطة بالنقل البحري وصناعة بناء السفن، مع استعراض دور الابتكار التكنولوجي في تحسين كفاءة العمليات وتقليل التأثيرات البيئية، كما ناقشت الورقة مفهوم الأحواض البحرية الخضراء وأهمية تبني ممارسات صناعية مستدامة تعتمد على كفاءة استخدام الموارد والطاقة، وتقليل النفايات والانبعاثات.
وتضمن عدد المجلة أيضًا مجموعة من عروض التقارير التي استعرضت حالة الصناعة العالمية والإقليمية، مع تقديم قراءة معمقة لأبرز التحولات الجارية في قطاع التصنيع العالمي، من خلال عرض تقارير ودراسات حديثة ترصد التفاعلات بين الضغوط الاقتصادية والتطورات التكنولوجية المتسارعة وقد تناول هذا القسم موضوعات محورية مثل التحول نحو التصنيع الذكي، وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد، وتصاعد دور الذكاء الاصطناعي في الصناعة، وذلك من خلال عروض بحثية بارزة من بينها: "مستقبل التصنيع العالمي: كيف تعيد التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي تشكيل قواعد المنافسة العالمية؟"، و"منطق السياسة الصناعية الجديدة"، و"ارتفاع أسعار مدخلات التصنيع عالميًا إلى أعلى وتيرة منذ عام 2022"، و"اختبار التصنيع الأمريكي القادم: بناء قوة عاملة لعصر جديد"، و"قطاع التصنيع في أمريكا الشمالية: ضغوط متزايدة واستراتيجيات مرنة لتعزيز النمو"، و"تقرير الابتكار الصناعي 2026: الصناعة الأوروبية عند مفترق التحول".
واستعرضت المجلة تقرير "منظمة العمل الدولية" الصادر في 10 مارس 2026 بعنوان: "الذكاء الاصطناعي في التصنيع: التحولات الهيكلية، ديناميكيات العمل، وتحديات تحقيق انتقال عادل ومستدام"، وأشارت البيانات إلى أن ثلثي فترات النمو الاقتصادي العالمي بين عامي 1970 و2020 كانت مدفوعة بالتصنيع، ما يعكس دوره المحوري المستمر، وفي عام 2024 أسهم القطاع بنسبة 16.5% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي و57.5% من التجارة العالمية، رغم التغيرات الهيكلية التي شهدها الاقتصاد العالمي.
وتتركز القيمة المضافة الصناعية بشكل كبير في عدد محدود من الدول، حيث تستحوذ الصين على 27.7%، تليها الولايات المتحدة الأمريكية بنسبة 17.3%، ثم اليابان وألمانيا والهند بنسب أقل، كما تختلف أهمية التصنيع بين الدول حيث تسجل بعض الاقتصادات الصغيرة والمتوسطة نسبا مرتفعة تتجاوز 30% من الناتج المحلي مثل أيرلندا وإسواتيني، بينما تشهد دول أخرى تراجعًا طويل الأمد في مساهمة قطاع الصناعات التحويلية كما في الأرجنتين وهولندا، ويعكس هذا التباين تحولات هيكلية مرتبطة بتطور الاقتصادات وانتقالها نحو اقتصاد الخدمات.
لا تقتصر أهمية التصنيع على مساهمته المباشرة في الناتج المحلي بل تمتد إلى دعم البحث والتطوير والتصميم في إطار ما يُعرف بـ "خدمات الصناعة التحويلية" حيث تتكامل الأنشطة الصناعية مع الخدمات الرقمية والتكنولوجية، كما يمثل القطاع ركيزة أساسية للتجارة الدولية إذ بلغت قيمة صادرات السلع المصنعة 19.2 تريليون دولار في عام 2024، رغم تراجع حصتها النسبية من الناتج المحلي الإجمالي العالمي لصالح تجارة الخدمات.
واتصالًا، وفقًا لتقرير منظمة العمل الدولية، انخفض التوظيف في قطاع التصنيع بأوروبا وآسيا الوسطى بمقدار 4.9 ملايين، ضمن هذه الاتجاهات العامة، أصبح قطاع التصنيع مركزًا جغرافيًا في عدد محدود من الدول ويتوزع بشكل غير متساو داخل المناطق الفرعية، وعلى الرغم من توسع القيمة المضافة العالمية لقطاع التصنيع في العديد من الدول لا يترافق نمو القيمة المضافة للقطاع دائمًا مع زيادة في حجم التوظيف، مما يشير إلى تغير طبيعة العمل في القطاع، فعلى سبيل المثال سجلت بعض الاقتصادات ذات الدخل المرتفع والناشئة زيادات كبيرة في حصة قطاع التصنيع من الناتج المحلي الإجمالي بينما انخفضت حصة التوظيف خلال الفترة نفسها، ومع ذلك يظل التصنيع مصدرًا رئيسًا للعمالة حيث ارتفع عدد العاملين عالميًا من 377 مليونًا في عام 2003 إلى 494 مليونًا في عام 2023، مع تركز كبير في آسيا والمحيط الهادي التي تستحوذ على 66.6% من إجمالي القوى العاملة العالمية في قطاع التصنيع.
شهد الذكاء الاصطناعي تسارعًا ملحوظًا في تطوره مما عزز التوقعات بشأن دوره المحتمل في دعم النمو الاقتصادي وتحسين مستويات الإنتاجية، وتشير تقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "الأونكتاد" إلى أن حجم سوق الذكاء الاصطناعي العالمي سيرتفع من 189 مليار دولار في 2023 إلى 4.8 تريليونات دولار بحلول 2033، مدفوعًا بالاستثمار والابتكار والسياسات العامة، كما ارتفعت الاستثمارات في هذا المجال إلى 252.3 مليار دولار في 2024 مع تركزها في الولايات المتحدة وأوروبا والصين، بينما بلغت القيمة السوقية لأكبر الشركات في المجال نحو 20 تريليون دولار، ورغم هذه الأرقام تشير البيانات إلى أن المكاسب الاقتصادية المباشرة لا تزال محدودة حيث تقل وفورات التكاليف عن 10% وزيادة الإيرادات عن 5% ما يثير تساؤلات حول توزيع هذه المكاسب.
كما استعرضت المجلة تقرير "توقعات صناعة أشباه الموصلات العالمية حتى نهاية عام 2026"، الصادر عن "شركة ديلويت"، حيث أشارت التوقعات إلى أن حجم مبيعات صناعة أشباه الموصلات عالميًا سيصل إلى نحو 975 مليار دولار في عام 2026، وهو مستوى تاريخي غير مسبوق، مدفوعًا بازدهار البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وقد بلغ معدل النمو 22% في عام 2025، مع توقعات بارتفاعه إلى 26% في 2026، فيما تشير التوقعات طويلة الأجل إلى إمكانية وصول المبيعات السنوية إلى نحو 2 تريليون دولار بحلول عام 2036، حتى مع افتراض تباطؤ نسبي في معدلات النمو بعد ذلك.
ورغم هذا النمو القوي تكشف البيانات عن تباين هيكلي حاد داخل الصناعة حيث تمثل رقائق الذكاء الاصطناعي عالية القيمة نحو 50% من إجمالي الإيرادات، بينما لا تتجاوز حصتها أقل من 0.2% من إجمالي حجم الوحدات المنتجة، وفي المقابل تشهد القطاعات التقليدية مثل السيارات والحواسيب والهواتف الذكية وتطبيقات الاتصالات خارج مراكز البيانات نموًا أبطأ نسبيًا مما يعكس تحولاً واضحًا في مراكز القيمة داخل السوق.
ويظهر هذا التحول أيضًا في أداء أسواق المال، حيث بلغت القيمة السوقية المجمعة لأكبر عشر شركات رقائق عالميا نحو 9.5 تريليونات دولار بحلول منتصف ديسمبر 2025 مقارنًة بـ 6.5 تريليونات دولار في الفترة نفسها من عام 2024، وبزيادة كبيرة عن 3.4 تريليونات دولار في عام 2023، بما يعكس نموًا بنسبة 46% على أساس سنوي، و181% خلال عامين فقط، مع تركز واضح في السوق حيث تستحوذ أكبر ثلاث شركات على نحو 80% من هذه القيمة، في هذا السياق تشير التوقعات إلى أن إيرادات رقائق الذكاء الاصطناعي التوليدي قد تصل إلى نحو 500 مليار دولار أمريكي في عام 2026، أي ما يعادل تقريبًا نصف إجمالي مبيعات الرقائق عالميًا، مع توقعات بوصول حجم السوق الكلي القابل لرقائق تسريع الذكاء الاصطناعي لمراكز البيانات إلى نحو تريليون دولار بحلول عام 2030، وهو ما يعكس آفاقًا قوية لاستمرار التوسع في هذا القطاع.
وعلى مستوى الإنتاج تم بيع نحو 1.05 تريليون شريحة في عام 2025 بمتوسط سعر يبلغ 0.74 دولار للشريحة الواحدة، ومع ذلك ورغم أن رقائق الذكاء الاصطناعي قد تمثل نحو 50% من الإيرادات في عام 2026، فإن حجمها لا يتجاوز نحو 20 مليون شريحة فقط أي ما يعادل حوالي 0.2% من إجمالي الإنتاج العالمي، وهو ما يعكس نموذجًا قائمًا على القيمة المرتفعة مقابل الحجم المحدود، كما ارتفعت الإيرادات بنسبة 22% في عام 2025، في حين لم تتجاوز زيادة شحنات رقائق السيليكون 5.4% فقط، وفيما يتعلق بالأسواق النهائية من المتوقع أن تشهد مبيعات أجهزة الحواسيب الشخصية والهواتف الذكية تراجعًا في عام 2026، بعد أن كان متوقعًا لها النمو في 2025، أما قطاع الذاكرة فمن المتوقع أن يحقق إيرادات بنحو 200 مليار دولار في 2026، بما يمثل حوالي 25% من إجمالي إيرادات الصناعة، وذلك مع الطبيعة الدورية لهذا القطاع، ما يدفع الشركات إلى تبني سياسات حذرة في التوسع الإنتاجي، مع زيادة محدودة في الإنفاق الرأسمالي وتوجيه الجزء الأكبر منه نحو البحث والتطوير.
وقد أدى الطلب المتزايد على تقنيات الذاكرة المتقدمة مثل (HBM3) و(DDR7) و (hbm4) إلى نقص في الذاكرة الاستهلاكية مثل (DDR4) و(DDR5) حيث ارتفعت أسعارها بنحو أربعة أضعاف خلال الفترة من سبتمبر إلى نوفمبر 2025، وتشير التوقعات إلى استمرار هذا النقص لفترة ممتدة قد تصل إلى عقد من الزمن، مع احتمالات بزيادة إضافية في الأسعار خلال الربعين الأول والثاني من عام 2026 بنسبة قد تصل إلى 50%، حيث ارتفع سعر أحد تكوينات الذاكرة الشائعة إلى نحو 700 دولار في مارس 2026 مقارنًة بـ 250 دولارًا في أكتوبر 2025.
واستعرضت المجلة في قسمها الأخير أبرز المؤشرات الصناعية العالمية بهدف تقديم نافذة تحليلية مكملة للعروض البحثية، حيث قدم قراءة رقمية دقيقة لاتجاهات القطاع الصناعي العالمي، مستندًا إلى مجموعة من المؤشرات الكمية التي تعكس تطورات الأداء الاقتصادي والتشغيلي عبر الزمن، وقد ركز هذا القسم على تتبع حركة الأسعار، وسلاسل الإمداد، ومؤشرات مديري المشتريات، بما يتيح فهما أكثر عمقًا لديناميكيات السوق الصناعية، خاصًة في ظل تصاعد الضغوط التضخمية واضطرابات التجارة العالمية، ومن خلال تحليل هذه المؤشرات يوفر القسم أدوات تفسيرية تساعد على رصد التغيرات قصيرة الأجل، واستشراف الاتجاهات المستقبلية التي تؤثر في قرارات الإنتاج والاستثمار داخل القطاع الصناعي.




