كيف صنعت السوشيال ميديا مقاصد سياحية جديدة في مصر؟
لم تعد الدعاية السياحية تعتمد فقط على الحملات التقليدية أو الصور الرسمية للمواقع الأثرية والشواطئ، بل أصبحت منصات التواصل الاجتماعي لاعبًا رئيسيًا في تشكيل قرارات السفر لدى قطاع واسع من الجمهور، سواء من السائحين الأجانب أو من المصريين الباحثين عن تجربة مختلفة داخل البلاد.
فصورة جذابة أو مقطع فيديو قصير لا تتجاوز مدته ثوانٍ معدودة، قد يكون كافيًا لتحويل مكان هادئ أو أقل شهرة إلى مقصد مطلوب خلال وقت قصير.
السوشيال ميديا لم تعد مجرد منصة عرض
خلال السنوات الأخيرة، تغيّر سلوك الجمهور في التعامل مع الرحلات والمقاصد السياحية، إذ لم يعد المسافر يكتفي بالبحث عن مكان يقضي فيه إجازته، بل أصبح يبحث عن تجربة متكاملة قابلة للمشاركة والتوثيق.
وهنا ظهرت قوة السوشيال ميديا، التي منحت الأماكن فرصة للوصول إلى جمهور واسع دون الحاجة إلى ميزانيات ضخمة، عبر محتوى بصري سريع وجذاب يخلق رغبة فورية في الزيارة.
وأصبح من المعتاد أن تشهد بعض المقاصد المصرية حالة من الزخم بعد تداول صورها أو مقاطع مصورة لها عبر “فيسبوك” و”إنستجرام” و”تيك توك”، خاصة إذا ارتبطت هذه المقاطع بعناصر لافتة مثل الطبيعة المختلفة، أو الأنشطة غير التقليدية، أو التصميمات البصرية المميزة، أو حتى أجواء الهدوء والبساطة التي يبحث عنها البعض بعيدًا عن الأماكن المزدحمة.
من الترويج للمكان إلى صناعة تجربة
التحول الأهم الذي فرضته السوشيال ميديا على قطاع السياحة، يتمثل في أن الترويج لم يعد يركز فقط على اسم المكان أو موقعه، بل على التجربة التي يقدمها، فالمحتوى الأكثر انتشارًا غالبًا لا يكتفي بإظهار البحر أو المبنى الأثري أو الفندق، بل يقدّم للمتابع إحساسًا كاملًا بالرحلة: كيف يبدأ اليوم، وماذا يمكن أن يفعل الزائر، وما الأكلات التي سيجربها، وما المشاهد التي يمكنه تصويرها، وحتى اللحظات البسيطة التي تمنح الرحلة طابعًا خاصًا.
وهذا النوع من المحتوى خلق نموذجًا جديدًا في التسويق السياحي، يعتمد على الإحساس بالمكان أكثر من مجرد التعريف به، وهو ما ساعد على إبراز وجهات داخلية لم تكن تحظى من قبل بالقدر نفسه من الاهتمام الإعلامي، لكنها امتلكت عناصر بصرية وتجريبية جذبت المستخدمين على المنصات الرقمية.
مقاصد أقل شهرة استفادت من الانتشار الرقمي
من أبرز ملامح هذا التحول، أن السوشيال ميديا لم تكتفِ بتعزيز شهرة المقاصد المعروفة بالفعل، بل منحت أيضًا فرصة لأماكن أقل تداولًا كي تدخل دائرة الاهتمام. فبعض المناطق البيئية، والوجهات الهادئة، والقرى ذات الطابع التراثي، باتت تحظى بمتابعة أكبر بعدما ظهرت في محتوى مصور يبرز خصوصيتها ويقدمها بصورة مختلفة عن الشكل التقليدي للترويج.
كما ساهم هذا الانتشار في تنشيط السياحة الداخلية، إذ بات كثير من الشباب والأسر يتخذون قرار الزيارة بعد مشاهدة تجربة حقيقية لمستخدمين آخرين، وهو ما عزز فكرة “السفر بدافع الاكتشاف” وليس فقط بدافع الإجازة أو الترفيه المعتاد.
هل أصبحت الصورة أقوى من الإعلان؟
يرى متابعون لقطاع السياحة أن الصورة لم تعد عنصرا مساعدا في الترويج فقط، بل أصبحت في أحيان كثيرة أكثر تأثيرا من الإعلان التقليدي نفسه، خاصة حين تأتي ضمن تجربة حقيقية يشاركها أشخاص عاديون أو صناع محتوى، فالجمهور بات أكثر تفاعلًا مع المحتوى الذي يبدو طبيعيا وقريبا من الواقع، مقارنة بالمادة الدعائية الرسمية المباشرة.
لكن هذا التأثير يفرض في الوقت نفسه تحديا مهما، يتمثل في ضرورة استثمار الزخم الرقمي بصورة منظمة، من خلال تقديم محتوى احترافي يعكس تنوع المقاصد المصرية، ويُبرز ما تمتلكه من عناصر جذب تاريخية وطبيعية وثقافية، دون الاكتفاء بالاعتماد على الصدفة أو على انتشار بعض المقاطع بشكل عابر.





