هنا أقام النبي أسبوعين وبنى مسجد قباء، بستان المستظل قطعة من الجنة على الأرض
بينما تتسابق شركات السياحة لزيارة المزارات الشهيرة بالمدينة المنورة، يظل "بستان المستظل" كواحد من أعمق المواقع الدينية أثرا، ممتلئا بالسكينة والروحانية على بعد 100 متر فقط من مسجد قباء التاريخي، هذا البستان، الذي لا يزال ملكا لورثة وأحفاد الصحابي الجليل كلثوم بن الهدم الأوسي، يروي بفخر كواليس الأيام الأولى للهجرة النبوية المباركة.
قصة المكان.. حيث أقام النبي الخاتم وأسس أول مسجد
عندما وصل الرسول ﷺ وصاحبه أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى المدينة، فتح الشيخ الكبير كلثوم بن الهدم أبواب بستانه وبيته لاستضافتهما، ومكث النبي ﷺ هناك مدة (تتراوح بين أربعة أيام وأسبوعين)، شهدت تفاصيل تاريخية خالدة:
- تأسيس مسجد قباء: خلال فترة إقامته في البستان، خطّ النبي ﷺ وبنى مسجد قباء، أول مسجد أُسس على التقوى، قبل أن يواصل مسيره إلى قلب المدينة المنورة.
- المجلس النبوي: كان النبي ﷺ يقيم في بيت كلثوم، ويستقبل الناس ويتحدث معهم في بيت الصحابي سعد بن خيثمة المجاور له.
- شواهد باقية: ما زالت الحجرة النبوية، والبئر التي شرب منها النبي ﷺ ويجري ماؤها، والمكان الذي صلى فيه، باقية على حالها تشهد على تلك الحقبة الاستثنائية.
سر التسمية والاستقبال الأوسي
عند وصول النبي ﷺ وصاحبه في هجرتهم، اشتد حر الشمس، فقام سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه بخلع ردائه وأظل به رسول الله ﷺ ليقيه الحرارة، فسمي المكان منذ ذلك اليوم "بستان المستظل".
وكان الأنصار يخرجون أول كل نهار لانتظار القدوم النبوي، حتى لمحهم رجل من اليهود فوق أحد الآطام ونادى بأعلى صوته:" يا معشر الأنصار! هذا صاحبكم الذي تنتظرون"، ليتلقاه الصحابة بظهر الحرة في مشهد مهيب.
الصحابي كلثوم بن الهدم.. مستضيف الرسول والمهاجرين
كان كلثوم بن الهدم رضي الله عنه رجلا كبيرا في السن من قبيلة الأوس (الأنصار)، أسلم قبل وصول النبي ﷺ، وعند قدوم الرسول، نادى كلثوم غلاما له اسمه "نجيح"، فاستبشر النبي ﷺ وقال لأبي بكر: "أنجحت يا أبا بكر".
ولم يقتصر كرم كلثوم على استضافة النبي ﷺ فحسب، بل كان بستانه ملاذا لجمع من كبار الصحابة والمهاجرين الأوائل الذين شهدوا بدرا لاحقا، ومنهم أبو عبيدة بن الجراح، والمقداد بن عمرو، وخباب بن الأرت.
ولم يلبث هذا الصحابي الجليل بعد الهجرة النبوية يسيرا، حيث وافته المنية في العام الثاني للهجرة، وتحديدا قبل خروج المسلمين إلى غزوة بدر بأيام قليلة، ليبقى اسمه وبستانه محفورين في ذاكرة التاريخ الإسلامي.

