طابية عرابي الأثرية بدمياط تحمل ذاكرة خمسة عصور وتواجه الإهمال الشديد
تعد "الثغور" تاريخياً هي خط الدفاع الأول عن الدولة، وهي النقاط الحصينة التي تحمي الحدود من الاعتداءات العسكرية، وهنا تبرز مدينة دمياط كواحدة من أهم الثغور المصرية الشمالية، نظراً لموقعها الاستراتيجي الفريد الذي جعلها الهدف الأول للمحتل القادمن من البحر المتوسط، فإذا ما سيطر على دمياط فقد امتلك الطريق إلى قلب البلاد عبر فرع النيل.
أصل الحكاية
تقع طابية عرابي في عزبة البرج بمدينة رأس البر، التابعة لدمياط، وتسمية عزبة البرج بهذا الاسم تعود إلى عام 853م - 238هـ، لما هاجم الصليبيون المدينة ونهبوها، وهنا أصدر المتوكل على الله الخليفة العباسي أمراً لوالي مصر في ذاك الوقت عنبسة بن إسحاق ببناء برجين دفاعيين على جانبي النيل في تلك المنطقة التي ستعرف فيما بعد برأس البر وبعزبة البرج.
وتم بناء البرجين ووضع سلسلة حديدية تربط بينهما، وعند شد تلك السلسلة كانت تغلق مدخل النيل في وجه أي سفينة تحاول الدخول لفرع النيل، أي أن البرجين هما بوابة لغلق مجرى النهر في وجه الغزاة، ومن هنا جاءت تسمية العزبة، حيث كانت مقرًا للبرج الشرقي ومن هنا أصبح اسمها عزبة البرج.
صمود البرج في وجه الصليبيين
تصاعدت الهجمات الصليبية على الشرق، وبلغت مداها خلال العصر الأيوبي، وتحديداً في الحملة الصليبية الخامسة عام 1218م، وقد تم إطلاق اسم “صليبيون وصليبية” على تلك الحملات من قبل قادة وقساوسة أوروبا، حيث كانت ترفع تلك الحملات شعار نصرة الصليب، في حين كان العرب يطلقون عليهم لفظة “الإفرنج، أو الفرنجة”.
وكانت دمياط التي هي هدف الإفرنج في ذلك الحين مدينة فولاذية لها 3 بثلاثة أسوار و28 برجاً دفاعيًا وخندقاً مائياً، وعجز الصليبيون عن اقتحامها إلى بعد تدمير البرج الشرقي لها، عقب حصار مرير أدى لانتشار المجاعة والأمراض بين الأهالي، وتكرر نفس السيناريو في الحملة الصليبية السادسة عام 1249م، مما يؤكد الأهمية الطاغية لثغر دمياط.
الاحتلال الفرنسي
خلال العصر العثماني وقعت مصر في هوة اقتصادية تبعها إهمال تعليمي وعسكري، ولما وصل المحتل الفرنسي لمصر، وجد القلاع في حالة تصدع، إلا أن المقاومة الشعبية لم تعطه الفرصة للاستقرار وتحقيق مبتغاه من احتلال مصر، حيث تزعم حسن طوبار، زعيم المنزلة، الثورة ضد الفرنسيين في سبتمبر 1798، وثار أهالي عزبة البرج وقتلوا 8 جنود من الفرنساوية المستقرين بها لاحتلالها، فكان الانتقام الفرنسي الغاشم، بهدم منازل العزبة، ثم بنوا طابية حربية، في نفس موضع أنقاض أبراج الخليفة المتوكل، الشرقي، عُرفت تلك الطابية فيما بعد باسم طابية الشيخ يوسف.
عصر محمد علي
في عام 1805م رحل خورشيد باشا عن مصر، وبدأ عهد جديد بتولي محمد علي قائد الجنود الألبان والذي اختاره الشعب المصري، لحكم مصر، وهنا اهتم الباشا أيما اهمتمام بالجيش وبالتحصينات العسكرية، لذا فقد
شهدت الطابية تجديدًا كبيرًا في عصر محمد علي، وكذلك اعتنى بها عباس حلمي باشا الأول، كما اعتم بها الخديوي إسماعيل،
أحمد عرابي
وتسمية الطابية الحالية تعود لموقف بطولي، كان صاحب المشهد الرئيسي فيه هو وزير الحربية عام 1882م، أحمد باشا عرابي، والذي رفض توجيهات الخديو في ذلك الوقت، محمد توفيق، وأمر الأميرالاي عبد العال حلمي، بمقاومة المحتل البريطاني، فتحصن الأميرالاي بها، وكان ذلك بعد هزيمة التل الكبير، ورفض التسليم حتى تم القبض عليه، ثم هدم الانجليز تحصيناتها، وقاموا بتسريح جنودها.
الوصف المعماري
مساحة الطابية تصل إلى 25 فدان، وذلك بعد إضافة الحرم الأثري إليها، عام 1987م، وهي مستطيل 300م × 200م من 3 أقسام:
الدفاع الأول: سوران وبينهما خندق باتساع 15 متراً، مع أبراج ومزاغل لإطلاق النيران.
الجناح الغربي: يطل على النيل ويضم مخازن للبارود، وصهريج مياه، ومبنى "القشلاق".
الجناح الشرقي: يضم بقايا المسجد المغربي الصغير، ومنزل الحكمدار، واسطبلات الخيول.
الإهمال يطال الطابية العريقة
بعد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م، تم تخصيص الطابية كسكن للعديد من المهاجرين من أهالي مدن القناة، بعد أن أضيف إليها طابق ثالث، ثم تم تسجيلها كأثر إسلامي بالقرار رقم 21 لسنة 1985م، إلا أن التدهور أصابها بشكل كبير، حيث تحولت لمقلب كبير للمخلفات، وتوقفت مشاريع الترميم بها بسبب أحداث 2011م، ولم تنفذ قرارات الترميم الصادرة للطابية منذ 2005م، سوى ترميم سور خارجي بتكلفة 2 مليون جنيه، بينما تظل المباني الداخلية عرضة للانهيار والاندثار.
لماذا الحفاظ على الطابية؟
تضم الطابية آثار من عدة عصور متتالية، منذ عصر الإنشاء العباسي، مرورًا بالأيوبي، والعثماني، ووصولًا لعصر أسرة محمد علي باشا، وحتى العصر الحديث، مما يجعل إنقاذ الطابية وترميمها، وإظهار معالمها الأثرية، هو جزء من الحفاظ على الذاكرة القومية للثغور المصرية.








