رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

الحرملك والسلاملك.. كيف كانت تُقسم البيوت المصرية قبل مئات السنين؟

Go Egypia

في حارة الدرب الأصفر بمنطقة الجمالية، وعلى بُعد خطوات من شارع المعز، يقف بيت السحيمي شاهدًا على تفاصيل الحياة اليومية للأسر القاهرية قبل نحو أربعة قرون؛ فخلف بابه الخشبي ومشربياته المزخرفة، لا توجد مجرد قاعات أثرية، بل حكاية منزل صُمم بعناية ليوفر لأصحابه الخصوصية والراحة، وينظم حياة الرجال والنساء، ويضم أماكن لاستقبال الضيوف وتخزين الطعام وتوفير المياه والاستحمام.

ويُعد بيت السحيمي واحدًا من أبرز نماذج العمارة السكنية في القاهرة خلال العصر العثماني، إذ يحتفظ بعناصر معمارية تكشف كيف تعامل المصريون مع طبيعة المناخ والعادات الاجتماعية واحتياجات الأسرة قبل مئات السنين.

حكاية بيت بُني على مرحلتين

Bayt Al Suhaimi in Cairo

يرجع تاريخ الجزء الجنوبي من البيت إلى عام 1648، عندما أنشأه الشيخ عبد الوهاب الطبلاوي، ثم أُضيف إليه القسم الشمالي عام 1796 على يد الحاج إسماعيل شلبي، ليصبح القسمان منزلًا واحدًا.

واكتسب البيت اسمه من الشيخ محمد أمين السحيمي، أحد كبار علماء الأزهر وشيخ رواق الأتراك، والذي كان آخر من ارتبط اسمه بالسكن فيه.

وفي عام 1931، اشترت لجنة حفظ الآثار العربية المنزل من ورثة السحيمي، ليبدأ فصل جديد في تاريخه باعتباره أثرًا إسلاميًا يحفظ نموذجًا من عمارة البيوت القاهرية القديمة.

ويشير هذا الامتداد الزمني إلى أن البيت لم يكن بناءً ثابتًا منذ البداية، بل تطور عبر مراحل، وهو ما يعكس تغير احتياجات السكان وأنماط استخدام المساحات داخل المنازل.

كيف كانت الأسرة تعيش داخل البيت؟

يكشف تصميم بيت السحيمي عن تقسيم واضح للمساحات، إذ كان المنزل يضم أماكن لاستقبال الضيوف وأخرى للحياة الخاصة للأسرة.

ومن أبرز هذه العناصر السلاملك، وهو القسم المخصص لاستقبال الرجال والضيوف، والحرملك الذي يضم المساحات الخاصة بالنساء وأفراد الأسرة.

ولم يكن هذا التقسيم مجرد اختيار معماري، بل كان يعكس عادات اجتماعية سائدة في ذلك العصر، تقوم على الفصل بين المجال الخاص للأسرة ومجال استقبال الزائرين.

كما ساعدت المشربيات الخشبية على تحقيق قدر من الخصوصية، إذ سمحت لأهل المنزل بالاطلاع على الفناء والحركة داخله دون انكشاف مباشر على من يوجد بالخارج.

الفناء والمشربيات.. حلول ذكية لمواجهة حرارة الصيف

Bayt al-Suhaymi - Cairo - Arrivalguides.com

يتوسط البيت فناء داخلي واسع تطل عليه الغرف والقاعات، وتحيط به عناصر معمارية تساعد على دخول الضوء وتحريك الهواء.

وكان الفناء يمثل قلب المنزل، حيث تتوزع حوله المساحات المختلفة، بما يتيح التواصل بين أجزاء البيت مع الحفاظ على خصوصية كل قسم.

أما المشربيات الخشبية، فلم تكن مجرد عنصر للزينة، بل أدت وظيفة مهمة في تنظيم الضوء والهواء وتقليل التعرض المباشر لأشعة الشمس، فضلًا عن توفير الخصوصية للسكان.

وتكشف هذه التفاصيل عن خبرة البنائين والحرفيين في ابتكار حلول تتناسب مع المناخ المحلي، قبل ظهور أجهزة التكييف ووسائل التبريد الحديثة.

من طاحونة الحبوب إلى الساقية.. كيف كانت الأسرة توفر احتياجاتها؟

من أكثر التفاصيل التي تكشف طبيعة الحياة داخل بيت السحيمي وجود عناصر مرتبطة بتوفير الاحتياجات اليومية للأسرة.

فالمنزل يضم طاحونة للحبوب كانت تُدار بواسطة ثور، إلى جانب أوانٍ فخارية وحجرية لحفظ الحبوب وتخزين الطعام، بما يعكس أهمية تأمين جزء من الاحتياجات الغذائية داخل المنزل.

كما يضم آبارًا لتوفير المياه، وساقية كانت تستخدم في ري الحديقة، ولا يزال جزء من ترسها الخشبي موجودًا حتى اليوم.

وتوضح هذه العناصر أن البيت لم يكن مجرد مكان للنوم والإقامة، بل مساحة معيشية متكاملة تضم مرافق مرتبطة بالطعام والمياه والتخزين والأنشطة اليومية.

الحمامات وكرسي الولادة.. تفاصيل تكشف حياة النساء والأسرة

يضم بيت السحيمي حمامًا تقليديًا، إلى جانب عناصر أخرى مرتبطة بالحياة الأسرية، من بينها ما يُعرف باسم «كرسي الولادة»، وهو من التفاصيل اللافتة التي تحتفظ بها عمارة المنزل.

كما توجد قاعة خزفية تتميز بزخارف القيشاني الأزرق والرسوم النباتية، بما يعكس الاهتمام بتجميل المساحات الداخلية واستخدام الخامات المزخرفة في البيوت الثرية.

وتساعد هذه المكونات على قراءة جوانب من الحياة المنزلية قد لا تظهر في الكتب التي تركز فقط على تاريخ الحكام والمعارك والمنشآت الكبرى.

بيت السحيمي.. سجل اجتماعي وليس مجرد تحفة معمارية

Bayt Al-Suhaymi Cairo heritage jewel

تكمن أهمية بيت السحيمي في أنه يقدم صورة ملموسة عن نمط الحياة داخل البيوت القاهرية خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر؛ فمن خلال تقسيماته ومرافقه وزخارفه يمكن التعرف على طبيعة العلاقات الأسرية، وطرق استقبال الضيوف، وأساليب توفير المياه والطعام، ووسائل التكيف مع المناخ.

كما يعكس المنزل مكانة الحرف التقليدية في العمارة، بداية من صناعة المشربيات والأبواب الخشبية، وصولًا إلى أعمال الزخرفة والرخام والقيشاني.

ولهذا، فإن زيارة البيت لا تقتصر على مشاهدة مبنى تاريخي، بل تمنح الزائر فرصة للتعرف على جانب من الحياة الاجتماعية والثقافية للقاهرة في عصر سابق.

من منزل تاريخي إلى مركز للإبداع الفني

لم تنتهِ حكاية بيت السحيمي عند تحوله إلى أثر تاريخي؛ فبعد أعمال الترميم وإعادة التأهيل، أُعيد افتتاحه عام 2000 ليصبح مركزًا للإبداع الفني تابعًا لصندوق التنمية الثقافية.

ومنذ ذلك الوقت، استضاف البيت أنشطة فنية وثقافية وأمسيات متنوعة، ليعود المكان إلى استقبال الزائرين والجمهور، ولكن بوظيفة جديدة تحافظ على قيمته التاريخية وتعيد توظيفه في الحياة الثقافية المعاصرة.

وهكذا يظل بيت السحيمي أكثر من مجرد منزل قديم؛ إنه نافذة مفتوحة على حياة الأسر القاهرية قبل مئات السنين، وشاهد على قدرة العمارة التقليدية على الجمع بين الجمال والخصوصية والوظيفة العملية.

تم نسخ الرابط