رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

أدوات برونزية غامضة في مقبرة «وني».. هل تكشف جانبًا جديدًا من الطب المصري القديم؟

Go Egypia

في اكتشاف أثري يفتح الباب أمام تساؤلات جديدة حول طبيعة الممارسات الطبية في مصر القديمة، عثرت بعثة أثرية مصرية على مجموعة من الأدوات البرونزية داخل بئر دفن شخص يُدعى «وني»، خلال أعمال الحفائر بجبانة الملك مرنرع في منطقة سقارة، وسط ترجيحات بأن تكون هذه الأدوات قد استُخدمت في أغراض طبية، وهو ما يجعلها من أبرز اللقى التي تستحق الدراسة ضمن هذا الكشف.

ويأتي العثور على هذه الأدوات في سياق اكتشاف مصطبة جنائزية مشيدة من الطوب اللبن، تضم عددًا من آبار الدفن، من بينها بئر يؤدي إلى حجرة دفن منقوشة تخص «وني»، الذي حمل مجموعة من الألقاب الإدارية والدينية الرفيعة خلال عصر الدولة القديمة.

أدوات برونزية تثير تساؤلات أثرية

تمثل الأدوات البرونزية المكتشفة أحد الجوانب اللافتة في المقبرة، نظرًا إلى احتمال ارتباطها بممارسات طبية، إلا أن طبيعة استخدامها الفعلية لم تُحسم بعد، وتحتاج إلى مزيد من الفحص والدراسة لتحديد وظائفها بدقة.

وتزداد أهمية هذه اللقى في ضوء ما أوضحه مسؤولو المجلس الأعلى للآثار، من أن النقوش المسجلة داخل حجرة دفن «وني» لم تتضمن ما يشير إلى حمله لقب «طبيب». وهو ما يطرح تساؤلات حول سبب وجود هذه الأدوات داخل بئر دفنه، وما إذا كانت مرتبطة باستخدام شخصي، أو بممارسات أخرى، أو بتجهيزات جنائزية، وهي احتمالات لا يمكن الجزم بأي منها قبل استكمال الدراسات الأثرية.

ومن هنا، لا تكمن أهمية الاكتشاف في الأدوات نفسها فحسب، بل في السياق الأثري الذي عُثر عليها داخله، إذ يساعد فهم موقعها وعلاقتها ببقية مكونات المقبرة على الوصول إلى تفسيرات أكثر دقة بشأن وظيفتها ودلالتها التاريخية.

هل تكشف الأدوات جانبًا من الطب المصري القديم؟

عرف المصريون القدماء ممارسات طبية متعددة، تركت نصوصهم آثارًا واضحة عليها، من خلال وصفات علاجية وإرشادات تتعلق بالأمراض والإصابات وطرق التعامل معها. كما تكشف الأدلة الأثرية والنصوص القديمة عن اهتمامهم بصحة الإنسان، وإن اختلفت معارفهم وأساليبهم عن المفاهيم الطبية الحديثة.

وفي هذا الإطار، قد تسهم دراسة الأدوات البرونزية المكتشفة في مقبرة «وني» في توسيع المعرفة بالأدوات التي استُخدمت في العصور القديمة، إذا أكدت التحليلات ارتباطها بالفعل بممارسات طبية. لكن تحديد وظيفتها يتطلب دراسة شكلها وتكوينها وآثار استخدامها، إلى جانب مقارنتها بنظائر أثرية معروفة من سياقات تاريخية مماثلة.

كما أن وجود أدوات يُرجح استخدامها طبيًا داخل مقبرة لا يعني بالضرورة أن صاحبها كان يمارس الطب أو يعمل في هذا المجال؛ فالأدلة المتاحة حتى الآن لا تثبت هذه الصلة، وهو ما يجعل التمييز بين الاحتمال العلمي والنتيجة المؤكدة أمرًا أساسيًا في قراءة الاكتشاف.

«وني».. صاحب ألقاب رفيعة في الدولة القديمة

تقدم المقبرة المكتشفة معلومات مهمة عن صاحبها، بعدما كشفت النقوش المحفوظة داخل حجرة الدفن عن اسمه وعدد من ألقابه الإدارية والدينية، من بينها «العمدة»، و«كاهن سم»، و«مدير كل نقبة ملكية»، و«خازن مال بيت الشمال»، و«السمير الوحيد»، و«سيد مدينة الكاب».

ويعكس تنوع هذه الألقاب تعدد المهام التي ارتبطت بمكانة «وني» خلال عصر الدولة القديمة، كما يقدم شواهد تساعد الباحثين على دراسة طبيعة الوظائف الإدارية والدينية وصلتها بمؤسسات الدولة الملكية.

ورغم أهمية هذه المكانة، فإن النقوش لا تشير إلى أن «وني» كان طبيبًا، وهو ما يجعل العثور على الأدوات البرونزية داخل بئر دفنه لغزًا أثريًا يحتاج إلى مزيد من البحث، بدلًا من ربطها مباشرة بمهنته أو أدواره خلال حياته.

تفاصيل أخرى تعزز أهمية الكشف

لم يقتصر اكتشاف البعثة الأثرية المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار على حجرة دفن «وني» والأدوات البرونزية، بل شمل أيضًا حجرة مقبية تقع مباشرة أعلى حجرة الدفن، عُثر بداخلها على تمثالين صغيرين من الخشب في وضع تعبدي نادر.

كما أسفرت أعمال الحفائر عن الكشف عن باب وهمي يخص سيدة تُدعى «سخت نبتي»، حملت عددًا من الألقاب الدينية، من بينها «كاهنة حتحور»، بما يضيف شواهد جديدة إلى دراسة الأدوار الدينية للنساء خلال عصر الدولة القديمة.

وتكشف هذه العناصر مجتمعة عن تنوع مكونات المصطبة الجنائزية، وتمنح الباحثين فرصة لدراسة وظائف وحداتها المعمارية المختلفة، وطبيعة اللقى التي ارتبطت بها، وكيفية استخدامها عبر مراحلها المتعاقبة.

دراسات مستمرة لفك لغز الأدوات البرونزية

تواصل البعثة أعمال الدراسات الأثرية والمعمارية واللغوية والفنية للعناصر المكتشفة، إلى جانب تحليل السياقات الجنائزية واللقى الأثرية، بهدف تحديد وظائف الوحدات المعمارية المختلفة وفهم طبيعة استخدامها.

ومن المنتظر أن تسهم الدراسات المتخصصة في توضيح طبيعة الأدوات البرونزية ودلالتها، ومدى ارتباطها بالممارسات الطبية في مصر القديمة، دون استباق النتائج العلمية التي ستكشف عنها أعمال الفحص والتحليل.

وبينما تقدم مقبرة «وني» معلومات جديدة عن المناصب الإدارية والدينية خلال عصر الدولة القديمة، تظل الأدوات البرونزية أحد أكثر جوانب الكشف إثارة للتساؤلات؛ فهل تحمل دليلًا جديدًا على الممارسات الطبية في تلك الفترة، أم أن وظيفتها ترتبط بسياق آخر لم تتضح ملامحه بعد؟ الإجابة ستظل مرهونة بما تسفر عنه الدراسات الأثرية المقبلة.

تم نسخ الرابط