الرامسيوم في قلب التعاون الأثري.. ماذا يجري في مشروع تفكيك وإعادة بناء الصرح الأول؟
المحتويات
تتواصل أعمال مشروع أثري يستهدف إعادة إحياء أحد أبرز المعالم المعمارية المرتبطة بعهد الملك رمسيس الثاني في البر الغربي بمدينة الأقصر، من خلال فك وترميم وإعادة تركيب أحجار الصرح الأول بمعبد الرامسيوم، في مهمة تجمع بين الحفائر الأثرية والتوثيق العلمي والتقنيات الحديثة للحفاظ على التراث المصري القديم.
وعاد المشروع إلى دائرة الاهتمام بالتزامن مع مشاركة الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، في الاجتماع الرابع لتحالف الحفاظ على التراث الثقافي في آسيا بالصين، حيث ألقى محاضرة علمية لطلاب قسم المصريات بجامعة شانغهاي للدراسات الدولية، تناول خلالها «الأنشطة الحديثة والمشروعات الحالية في البر الغربي للأقصر»، ومن بينها مشروع تفكيك وإعادة بناء الصرح الأول للرامسيوم وترميم مقبرة قن آمون.
ويأتي المشروع في إطار تعاون أثري مصري كوري، تنفذه بعثة مشتركة تضم قطاع حفظ وتسجيل الآثار بالمجلس الأعلى للآثار والجامعة الوطنية الكورية للتراث الثقافي، بموجب اتفاقية تعاون وُقعت عام 2022، وبتمويل كوري في إطار المساعدة الإنمائية الرسمية.
الرامسيوم.. معبد جنائزي يحمل ذاكرة عهد رمسيس الثاني
يُعد معبد الرامسيوم المعبد الجنائزي للملك رمسيس الثاني، أحد أبرز ملوك الأسرة التاسعة عشرة، ويحتل مكانة مهمة بين آثار البر الغربي بالأقصر، لما يضمه من عناصر معمارية ونقوش توثق جوانب من الحياة السياسية والدينية في مصر القديمة.
وتحمل جدران المعبد نقوشًا بارزة تصور الملك رمسيس الثاني في مشاهد مرتبطة بمعركة قادش، إلى جانب طقوس دينية وجنائزية، كما يتميز المعبد بأعمدته وتماثيله الضخمة، التي تعكس قدرات المصري القديم في البناء والنحت وتنظيم المنشآت المعمارية الكبرى.
لكن مرور القرون ترك آثارًا واضحة على أجزاء من المعبد، إذ تعرض الصرح الأول للانهيار الجزئي، وتشير المعلومات المنشورة على الموقع الرسمي لوزارة السياحة والآثار إلى أن زلزالًا وقع عام 27 قبل الميلاد أسهم في تهدم جزء كبير منه. كما تعرضت عناصر المعبد لعوامل التعرية والتجوية والتغيرات الكبيرة في درجات الحرارة، وهو ما يبرز أهمية أعمال التدعيم والترميم للحفاظ على ما تبقى من عناصره المعمارية.
تفكيك الأحجار وإعادة تركيبها.. كيف تسير أعمال الترميم؟
لا يقتصر مشروع الرامسيوم على إعادة تركيب الأحجار في مواضعها، بل يبدأ بالتوثيق العلمي الدقيق لمنطقة الصرح، من خلال المسح والرفع المعماري والتصوير الفوتوغرافي، إلى جانب تنفيذ الحفائر للكشف عن الكتل الحجرية التي ربما غطتها الرمال والأحجار عبر القرون.
وتخضع الكتل المكتشفة لأعمال التسجيل والتوثيق والترميم، مع إنشاء قاعدة بيانات تساعد على تحديد خصائص كل كتلة ومكانها وعلاقتها بالعناصر المعمارية الأخرى. ويهدف هذا المسار إلى تكوين سجل علمي يمكن الاستناد إليه عند إعادة تركيب الأحجار، بدلًا من الاعتماد على التخمين في تحديد مواضعها الأصلية.
وتشمل الأعمال كذلك دراسة الأساليب التي استخدمها المصري القديم في بناء الصرح، وتحليل النقوش الموجودة عليه ومقارنتها بنقوش مماثلة في معابد أخرى، بما يتيح الاستفادة من المشروع في تطوير المعرفة بتاريخ العمارة المصرية القديمة، إلى جانب هدفه الأساسي المتمثل في الحفاظ على الأثر.
وبحسب أحدث المعلومات المنشورة على الموقع الرسمي لوزارة السياحة والآثار، تركز المرحلة الأولى من المشروع على ترميم البرج الشمالي للصرح الأول، الذي يبلغ طوله نحو 32 مترًا، وقد بدأت هذه المرحلة عام 2023، ومن المقرر الانتهاء منها عام 2027. كما تضمنت الأعمال السابقة الحفائر ورفع الكتل الحجرية الضخمة ونقلها يدويًا إلى مصاطب أُعدت خصيصًا لهذا الغرض، تمهيدًا لاستكمال أعمال التوثيق والترميم وإعادة التركيب.
تقنيات حديثة وشراكة دولية لحماية التراث
يمثل التعاون المصري الكوري أحد الجوانب الأساسية في المشروع، إذ يجمع بين خبرات فرق الآثار المصرية والمتخصصين في صيانة التراث من الجانب الكوري. ويشمل العمل استخدام تقنيات التوثيق الرقمي، ومن بينها المسح ثلاثي الأبعاد، إلى جانب تجهيز موقع مخصص لترميم الكتل والعناصر الحجرية قبل إعادة تركيبها.
وفي إطار تجهيزات المشروع، أعلنت وزارة السياحة والآثار عن إعداد هيكل مؤقت يضم رافعات داخلية متخصصة، بما يسمح بتنفيذ عمليات فك الأحجار ورفعها وترميمها وإعادة تركيبها في ظروف أكثر أمانًا، مع مراعاة طبيعة الموقع والعوامل البيئية والمناخية المحيطة به.
وتبرز أهمية هذه التقنيات في التعامل مع الكتل الحجرية الضخمة، التي تتطلب توثيقًا دقيقًا قبل تحريكها، فضلًا عن وضع آليات تضمن الحفاظ على تفاصيلها ونقوشها خلال مراحل النقل والترميم. كما تساعد قواعد البيانات الرقمية في حفظ المعلومات المتعلقة بكل كتلة، بما يدعم أعمال الدراسة والمراجعة خلال مراحل المشروع المختلفة.
ولا تتوقف أهمية التعاون عند الجانب التنفيذي، إذ تتيح الشراكات الدولية تبادل الخبرات العلمية والتقنية، وتطوير أساليب التعامل مع المنشآت الأثرية التي تعرضت للتلف أو الانهيار، مع ضرورة أن تظل القرارات المتعلقة بالتدخل في الأثر مستندة إلى الدراسات العلمية والمعايير المتخصصة للحفاظ على أصالته وقيمته التاريخية.
إعادة إحياء الصرح.. خطوة نحو تطوير تجربة الزيارة بالأقصر
يمثل الصرح الأول جزءًا أساسيًا من الصورة المعمارية الأصلية لمعبد الرامسيوم، ولذلك فإن إعادة تركيبه تستهدف استعادة جانب من تكوينه التاريخي، وفق ما تسمح به الأدلة الأثرية والدراسات العلمية التي يجريها فريق المشروع.
وأشارت وزارة السياحة والآثار إلى أن الانتهاء من الأعمال سيسهم في تعزيز إدراج المعبد ضمن مسار الزيارة بالبر الغربي للأقصر، إلى جانب العمل على إعادة تنظيم مدخله الرئيسي ليكون من الجهة الشرقية، بما يتوافق مع مسارات زيارة عدد من معابد المنطقة، ومنها مدينة هابو والدير البحري.
ويعكس المشروع أهمية الجمع بين الحفاظ على الأثر وتطوير الاستفادة منه ثقافيًا وسياحيًا، من دون أن يكون تحسين تجربة الزائر على حساب القيمة التاريخية أو سلامة العناصر المعمارية. فإعادة تركيب الصرح لا تعني استكمال البناء فحسب، بل تتطلب الاحتفاظ بسجل علمي يوضح ما عُثر عليه، وما خضع للترميم، والأسس التي استُخدمت في تحديد مواضع الأحجار.
وفي النهاية، يقدم مشروع الصرح الأول للرامسيوم نموذجًا للتكامل بين البحث الأثري والترميم والتوثيق والتعاون الدولي، حيث تتضافر أعمال الحفائر والدراسات المعمارية والتقنيات الرقمية من أجل الحفاظ على أحد شواهد عصر رمسيس الثاني. ومع استمرار العمل في مراحله المختلفة، تظل دقة التوثيق واحترام أصالة الأثر من أهم العوامل التي ستحدد قيمة النتائج التي يمكن أن يقدمها المشروع، سواء للباحثين المتخصصين أو لزوار الأقصر الراغبين في اكتشاف تاريخ مصر القديمة من خلال آثارها الباقية.
- # معبد الرامسيوم
- # الصرح الأول للرامسيوم
- # ترميم آثار الأقصر
- # رمسيس الثاني
- # البر الغربي بالأقصر
- # المجلس الأعلى للآثار
- # البعثة المصرية الكورية
- # التوثيق الأثري
- # الترميم ثلاثي الأبعاد
- # السياحة الثقافية في مصر
- # الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار
- # الأعلى للآثار
- # للمجلس الأعلى للآثار
- # الملك رمسيس
- # التراث الثقافى
- # المشروعات
- # اتفاقية تعاون
- # الحفائر الأثرية
- # الصرح الأول بمعبد الرامسيوم
- # هشام الليثي الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار