من الكاتب الجالس إلى قناع نفرتيتي.. هذه آثار مصر المعرضة للخطر في اللوفر
تحولت واجهة متحف اللوفر في باريس، أحد أكثر المتاحف زيارة في العالم، إلى ساحة احتجاج مفتوحة، بعدما أغلق متظاهرون مداخله وعطلوا وصول الزوار إلى الهرم الزجاجي الشهير، في مشهد أعاد إلى الواجهة سؤالا مقلقا: ماذا عن مصير كنوز الحضارة المصرية القديمة المعروضة بين جدرانه؟
إغلاق أكبر متحف في العالم
شهدت العاصمة الفرنسية تصعيدا في الاحتجاجات امتد إلى محيط اللوفر، إذ احتشد المحتجون أمام المتحف وأغلقوا مداخله ومنطقة الهرم الزجاجي، ما أدى إلى تأخر فتح أبوابه أمام الزوار، وفقا لما أوردته وكالة فرانس برس.
وتأتي هذه التطورات في ظل تحركات احتجاجية متواصلة منذ منتصف سبتمبر الماضي.
وشارك في الاحتجاج عدد من طلاب مدرسة اللوفر وطلاب مدارس الفنون، تضامنا مع احتجاجات طلاب المدارس الثانوية، واعتراضا على ما وصفوه بـ«القمع البوليسي».
ورفع المشاركون لافتة كتب عليها: «نحن فخورون بالإعلان أننا نغلق أكبر متحف في العالم»، في خطوة تعكس امتداد الغضب الطلابي إلى المؤسسات الثقافية الكبرى.
ويثير تعطل حركة الزوار بالمتحف تساؤلات حول أهمية اتخاذ التدابير اللازمة لضمان سلامة العاملين والزائرين، والحفاظ على مقتنياته الأثرية والفنية.
وفي أول رد فعل مصري، أعربت مؤسسة زاهي حواس للآثار والتراث عن قلقها البالغ إزاء التطورات الأخيرة في باريس، مطالبة باتخاذ إجراءات أمنية عاجلة لتأمين وحماية الآثار والمقتنيات المصرية المعروضة داخل المتحف.
وأكدت المؤسسة، في بيان لها، أن القطع الأثرية المصرية في اللوفر تمثل قيمة تاريخية وحضارية استثنائية، بوصفها جزءا أصيلا من التراث الإنساني وشاهدا على عظمة الحضارة المصرية القديمة وإسهاماتها في تاريخ البشرية.
وطالبت الجهات الفرنسية وإدارة المتحف باتخاذ أقصى التدابير الأمنية والاحترازية لضمان سلامة جميع الآثار والممتلكات الثقافية المصرية، وتجنب تعرضها لأي أضرار محتملة نتيجة الاضطرابات والتظاهرات الجارية، مشددة على ضرورة توفير الحماية الكاملة لهذه المقتنيات الفريدة.
كما أعربت المؤسسة عن تمنياتها بعودة الاستقرار والهدوء إلى الشارع الفرنسي في أسرع وقت، واستعادة انتظام الحياة العامة، بما يضمن سلامة المواطنين والزائرين والعاملين، ويحافظ على المؤسسات الثقافية والمتاحف من تداعيات الأحداث الراهنة.
وشددت المؤسسة على أن التراث الحضاري المصري أمانة تاريخية وإنسانية لا يجوز التفريط فيها، وأن الحفاظ على الآثار وصونها مسؤولية مشتركة تتطلب اليقظة والاستعداد، خاصة في الظروف الاستثنائية والأزمات التي قد تهدد الممتلكات الثقافية، معتبرة حماية الآثار المصرية أولوية قصوى لأنها جزء من ذاكرة الإنسانية وتاريخها المشترك.
أبرز الآثار المصرية في اللوفر
يضم اللوفر مجموعة استثنائية من الآثار المصرية القديمة توثق تاريخ الحضارة المصرية عبر آلاف السنين، وتكشف تطور فنون النحت والعمارة والمعتقدات الدينية والجنائزية.
وتتنوع مقتنيات القسم المصري بين التماثيل الملكية واللوحات المنقوشة والتوابيت والبرديات والأدوات اليومية والمقتنيات الجنائزية، من عصور الدولة القديمة وحتى الفترات اللاحقة.
ومن أشهر هذه القطع:
تمثال الكاتب الجالس: من روائع الفن المصري القديم، ويرجع إلى عصر الدولة القديمة، ويتميز بدقة نحت ملامح الوجه والعينين المطعمتين والتصوير الواقعي لجسد الكاتب ووضعية جلوسه، بما يعكس مكانة الكتابة والكتبة في الإدارة المصرية القديمة.
تمثال رمسيس الثاني: يحتفظ المتحف بعدد من تماثيل الملك التي تعكس قوة النحت في عصر الدولة الحديثة، وهي من أكثر القطع جذبا للزائرين.
تمثال إخناتون: يعكس ملامح الفن في عصر العمارنة، ويبرز التحول الفني والديني الذي شهدته مصر القديمة خلال حكمه.
قناع نفرتيتي الذهبي: قناع ذهبي ينسب إلى الملكة، ويعد من القطع النادرة التي تجذب عشاق الحضارة المصرية القديمة.
تماثيل أمنحتب وسوبك حتب: إلى جانب تماثيل ضخمة للمعبودات المصرية القديمة، مثل الالهة سخمت.
19 قاعة تروي حكاية الفراعنة
يخصص اللوفر مساحة واسعة لعرض مجموعته المصرية، التي تضم آلاف القطع وتغطي فترات زمنية وحضارية متعددة، من التماثيل الحجرية والتوابيت المزخرفة والبرديات، إلى الحلي والأواني وأدوات الحياة اليومية، فضلا عن قطع مرتبطة بالمعتقدات الدينية وطقوس الدفن.
وتتميز المجموعة بتنوعها، إذ لا تقتصر على الآثار الملكية، بل تمتد لتشمل مقتنيات تعكس حياة الافراد وأنماط المعيشة والحرف والممارسات الدينية والجنائزية.
كيف وصلت الآثار المصرية إلى باريس؟
تعود جذور المجموعة المصرية في اللوفر إلى مراحل متعددة من جمع الآثار ودراستها خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، حين تزايد الاهتمام الأوروبي بالحضارة المصرية القديمة.
وكانت المجموعات التي جمعها القنصل الفرنسي برناردينو دروفيتي والقنصل البريطاني هنري سالت من المصادر المهمة في تكوين مجموعات المتاحف الأوروبية، ومنها اللوفر، إلى جانب مقتنيات وصلت عبر الشراء والتبادل والبعثات الأثرية.
وكان للعالم الفرنسي جان فرانسوا شامبليون، الذي نجح في فك رموز الكتابة الهيروغليفية، دور بارز في تأسيس علم المصريات الحديث، وأسهمت جهوده في تعزيز الاهتمام العلمي بالآثار المصرية وتنظيم عرضها ودراستها داخل المتحف.

