رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

في عيدها القومي.. اكتشافات أثرية تعيد تسليط الضوء على تاريخ الإسماعيلية

تل المسخوطة
تل المسخوطة

تحتفل محافظة الإسماعيلية بعيدها القومي في 16 أكتوبر من كل عام، تخليدًا لذكرى وطنية ارتبطت بمقاومة الاحتلال البريطاني وتلاحم أبناء المحافظة من المواطنين والعمال والطلبة والفدائيين. ولا تقتصر مكانة الإسماعيلية على دورها الوطني، بل تمتد إلى تاريخ أثري عريق تكشف ملامحه عشرات التلال والمواقع الأثرية التي تحتضن شواهد من عصور مصر القديمة، وصولًا إلى العصرين اليوناني والروماني.

وتضم منطقة آثار الإسماعيلية مجموعة من المواقع المهمة، من بينها تل المسخوطة، وتل الرطابي، وتل حسن داوود، وتل الكوع، إلى جانب تلال دفنة والصعيدي والسبتية، فضلًا عن أجزاء من طريق حورس الحربي القديم الذي امتد عبر شمال سيناء، رابطًا شرق الدلتا برفح.

16 أكتوبر.. ذكرى وطنية في تاريخ الإسماعيلية

يرتبط العيد القومي للإسماعيلية بأحداث 16 أكتوبر 1951، حين شهدت المحافظة تحركات ومظاهرات وطنية ضد الاحتلال البريطاني، في أعقاب إلغاء معاهدة 1936. وجاءت هذه الأحداث ضمن سلسلة من مواقف المقاومة الشعبية التي تصاعدت لاحقًا، وصولًا إلى معركة الشرطة في الإسماعيلية يوم 25 يناير 1952، التي أصبحت رمزًا للتضحية والصمود الوطني.

وتستعيد المحافظة في عيدها القومي هذه الصفحات من تاريخها، بالتوازي مع تسليط الضوء على ما تمتلكه من مقومات تاريخية وأثرية تعكس أهمية موقعها الجغرافي ودورها عبر العصور.

تل المسخوطة.. آثار من عصور مختلفة

Recenti scoperte del CNR ISPC in Egitto grazie alla missione archeologica a Tell el-Maskhuta | Istituto di Scienze del Patrimonio Culturale

يُعد تل المسخوطة من أبرز المواقع الأثرية في محافظة الإسماعيلية، لما يضمه من شواهد تعود إلى فترات تاريخية متعددة. ومن أشهر المكتشفات المرتبطة بالموقع لوحة الملك بطلميوس الثاني، المعروفة باسم «لوحة بيتوم»، التي كشف عنها عالم الآثار إدوارد نافيل أمام معبد أتوم.

ويضم الموقع كذلك جبانة تل المسخوطة، المعروفة باسم «روض إسكندر»، التي تعود إلى العصرين اليوناني والروماني، بما يعكس استمرار استخدام المنطقة لأغراض جنائزية خلال مراحل تاريخية مختلفة.

ومن بين الآثار المهمة أيضًا مقبرة تعود إلى عصر الأسرة التاسعة عشرة، لصاحبها «قن أمون»، كاتب السجلات الملكية، وزوجته «إيزيس»، التي ارتبط اسمها بوظيفة مغنية الإله أتوم. وتضم المقبرة تابوتًا من الحجر الجيري غنيًا بالمناظر الدينية والنصوص المستمدة من فصول كتاب الموتى، في دلالة على المعتقدات الجنائزية والفنون التي سادت تلك الفترة.

اكتشافات حديثة تضيف إلى أهمية المنطقة

وفي موسم الحفائر 2024–2025، أعلنت البعثة الأثرية المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار الكشف عن مقبرة لقائد عسكري من عصر الملك رمسيس الثالث، ثاني ملوك الأسرة العشرين، إلى جانب مجموعة من المقابر الجماعية والفردية التي تعود إلى العصرين اليوناني والروماني والعصر المتأخر، وذلك خلال أعمال البعثة بمنطقة تل روض إسكندر في نطاق المسخوطة.

وتعكس هذه الاكتشافات القيمة العلمية للموقع، إذ تساعد دراسة المقابر واللقى المصاحبة لها على تتبع تطور أنماط الدفن والحياة الاجتماعية والعسكرية في المنطقة عبر فترات تاريخية متباينة.

تل الرطابي.. حصون ومخازن من عصر الدولة الحديثة

Archeologický výskum v Tell el-Retábí: Nové príbehy zo starého Egypta - Na čítanie - Kultúra - Pravda

يقع تل الرطابي ضمن المواقع الأثرية المهمة بمنطقة التل الكبير، ويضم شواهد على النشاط العسكري والاستيطاني في شرق الدلتا خلال العصور القديمة.

وكشفت الحفائر بالموقع عن بقايا سور ضخم لقلعة عسكرية تعود إلى عصر الدولة الحديثة، إلى جانب منشآت ومساكن ومخازن ارتبطت باستخدام المنطقة لأغراض عسكرية ومعيشية. وتشير الشواهد الأثرية إلى استمرار النشاط في الموقع حتى العصر اليوناني الروماني.

وتبرز أهمية تل الرطابي في إلقاء الضوء على الدور الاستراتيجي الذي أدته مناطق شرق الدلتا، باعتبارها نطاقًا مهمًا للحركة والتواصل بين وادي النيل والحدود الشرقية لمصر.

تل حسن داوود.. جبانة تكشف ملامح الحياة قبل الأسرات

بالصور.. الكشف عن جبانة في تل حسن داوود بالإسماعيلية | بوابة أخبار اليوم الإلكترونية

يمثل تل حسن داوود أحد المواقع المهمة لدراسة تاريخ الاستيطان والدفن في شرق الدلتا، إذ تضم المنطقة جبانة أثرية ترجع أجزاء منها إلى عصر نقادة الثالثة، في مرحلة ما قبل وبدايات توحيد الدولة المصرية.

وتتميز المقابر المكتشفة بأشكال متنوعة؛ فمنها ما هو دائري أو بيضاوي أو مستطيل، وقد حُفر في الأرض، مع تحديد جوانب بعض المقابر بالطين. ويُعد وضع الدفن في هيئة القرفصاء من الأنماط المعروفة في عدد من مدافن عصور ما قبل الأسرات.

وخلال أعمال الحفائر التي نفذها المجلس الأعلى للآثار في تل حسن داوود بين عامي 1989 و1995، كُشف عن نحو 920 مقبرة، من بينها 620 مقبرة تعود إلى عصر ما قبل الأسرات وبدايات الأسرات، و106 مقابر فارغة، فيما ترجع 194 مقبرة إلى العصر اليوناني الروماني.

وتمنح هذه المجموعة الأثرية الباحثين فرصة لدراسة التغيرات في طقوس الدفن والعادات الجنائزية، إلى جانب تتبع تطور المجتمعات التي عاشت في المنطقة خلال فترات زمنية متباعدة.

طريق حورس الحربي.. مسار استراتيجي عبر شرق مصر

يمثل طريق حورس الحربي القديم أحد أهم المسارات التاريخية المرتبطة بالحركة العسكرية والتواصل بين مصر وشرقها. وامتد الطريق من منطقة القنطرة شرق باتجاه رفح، مرورًا بعدد من المواقع والتحصينات التي ارتبطت بحماية الحدود الشرقية.

وتكتسب المواقع الأثرية الواقعة على امتداد هذا المسار أهمية خاصة، لما توفره من أدلة على أنظمة الدفاع والتحرك العسكري والاتصال بين المراكز المصرية والمناطق الواقعة في شمال سيناء.

ولا تقتصر أهمية الطريق على الجانب العسكري، إذ تسهم دراسة مواقعه في فهم طبيعة التواصل البشري والتجاري والإداري عبر شرق الدلتا وشبه جزيرة سيناء.

تل الكوع.. أحدث اكتشافات الموسم الأثري 2025–2026

اعرف تاريخ بلدك.. ماذا أخفت رمال تل الكوع بالإسماعيلية لآلاف السنين؟

برز تل الكوع في وادي الطميلات باعتباره أحد أهم المواقع الأثرية التي شهدت اكتشافات حديثة في محافظة الإسماعيلية. ففي 29 يونيو 2026، أعلنت وزارة السياحة والآثار نجاح البعثة الأثرية المصرية العاملة بالموقع في الكشف عن مجموعة من المقابر ومنطقة سكنية ومنشآت إنتاجية تعود إلى عصر الانتقال الثاني، في اكتشاف يضيف معلومات جديدة عن طبيعة الاستيطان بشرق الدلتا قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام.

وأسفرت أعمال الحفائر عن اكتشاف عشر مقابر مشيدة بالطوب اللبن، تعود إلى الأسرة الخامسة عشرة، وتنوعت تصميماتها بين مقابر مستطيلة تشبه المصاطب وأخرى ذات واجهات وزخارف معمارية.

كما كشفت البعثة عن منطقة سكنية تبلغ مساحتها نحو 30 في 60 مترًا، يحيط بها جدار من الطوب اللبن، وتضم غرفًا وصالات متعددة المساحات، إلى جانب أفران وصوامع استخدمت في عمليات الإنتاج والتخزين.

جعارين وأدوات برونزية ولقى تكشف تفاصيل الحياة اليومية

Archaeologists find Ramesses II stone beam near biblical Exodus route in north Sinai | Fox News

لم تقتصر المكتشفات على المباني والمقابر، بل شملت مجموعة من اللقى الأثرية، من بينها جعارين وأدوات برونزية وأوانٍ فخارية ومكاحل من الألباستر وقنينات تحمل طراز «تل اليهودية» المعروف خلال عصر الانتقال الثاني.

وعُثر كذلك على هياكل عظمية أظهرت الدراسات الأولية تنوعًا في أوضاع الدفن والأعمار، إذ تراوحت الأعمار المقدرة لبعض أصحابها بين 25 و40 عامًا. كما كشفت الحفائر، للمرة الأولى في الموقع، عن دفنات آدمية خارج المقابر المشيدة بالطوب اللبن، كان بعضها في وضع القرفصاء، وهو نمط يخضع لمزيد من الدراسة لتحديد دلالاته.

وأشارت الشواهد الأثرية إلى استمرار استخدام الموقع حتى منتصف الأسرة الثامنة عشرة، بما يساعد على فهم التحولات التي شهدتها المنطقة من عصر الانتقال الثاني إلى بدايات الدولة الحديثة. كما تدعم العلامات والأختام المكتشفة على بعض الأواني الفخارية فرضية وجود نشاط تجاري وشبكات تبادل في المنطقة

الإسماعيلية.. تاريخ وطني وكنوز أثرية متجددة

تكشف المواقع الأثرية في الإسماعيلية عن تاريخ متنوع يمتد من عصور ما قبل الأسرات إلى العصور الفرعونية واليونانية والرومانية، فيما تضيف الاكتشافات الحديثة في تل الكوع وتل روض إسكندر شواهد جديدة إلى سجل المحافظة الأثري.

ومع حلول العيد القومي في 16 أكتوبر، تبرز أهمية تسليط الضوء على هذه المواقع باعتبارها جزءًا من التراث المصري، والعمل على توثيقها وصونها وإتاحتها للجمهور في إطار يحافظ على قيمتها التاريخية والعلمية.

فالإسماعيلية ليست فقط محافظة ارتبط اسمها بصفحات من المقاومة الوطنية، بل أرض تحتفظ طبقاتها الأثرية بقصص مجتمعات قديمة، وطرق عسكرية وتجارية، ومقابر ومنشآت تساعد على استكمال فهم تاريخ مصر عبر العصور.

تم نسخ الرابط