عشرة توابيت في بئر واحد و30 مومياء قطط.. أسرار جديدة بباطن البر الغربي بالأقصر
خلف التلال الصخرية الصامتة في البر الغربي بالأقصر، تختبئ منذ آلاف السنين أسرار لم تُكشف كلها بعد.
وبين فترة وأخرى تخرج من باطن الأرض مفاجأة جديدة تدهش علماء الآثار: عشرة توابيت خشبية حُفظت بعناية داخل بئر واحد، ومومياوات لأكثر من 30 قطة لُفت بالكتان، ومقابر لكهنة ومنشدات وكتبة ووزراء عاشوا في ظل عرش حتشبسوت وتحتمس الثالث، إنها جبانة ذراع أبو النجا، التي ما زالت بعد قرون من البحث تثبت أن تاريخ مصر القديمة لم يقل كلمته الأخيرة.
كنوز خلف جبال البر الغربي
تتوارى بين التلال الصخرية في البر الغربي بالأقصر كنوز أثرية يعود عمرها إلى آلاف السنين، في منطقة تواصل الكشف عن وجوه جديدة من تاريخ مصر القديمة.
ومع كل موسم حفائر تخرج مقابر وتوابيت ونقوش وقطع أثرية تعيد رسم ملامح حياة المصريين القدماء.
وتتصدر جبانة ذراع أبو النجا قائمة المواقع التي تحظى باهتمام الباحثين، بعد سنوات من اكتشافات مهمة كشفت عن شخصيات ومناصب وتفاصيل تاريخية لم تكن معروفة من قبل.
فمن مقبرة مستشار المدينة أوسرحات التي خرجت منها مئات القطع، إلى مقابر كبار الموظفين والكهنة، وصولا إلى اكتشافات عامي 2025 و2026، تتوالى الشواهد على قيمة المنطقة، التي لا تكمن أهميتها فيما عُثر عليه فحسب، بل فيما قد تكشفه الدراسات والحفائر المقبلة.
أين تقع الجبانة؟
تقع ذراع أبو النجا في البر الغربي للأقصر، قرب مدخل الطريق المؤدي إلى منطقة الدير البحري، وتُعد جزءا من جبانة طيبة القديمة التي تضم عددا كبيرا من المقابر والمعالم الجنائزية.
ويقول محمود فرح، الخبير الأثري والسياحي، إن المنطقة استُخدمت للدفن منذ عصر الدولة الوسطى، وازداد حضورها خلال العصر الانتقالي الثاني والأسرتين السابعة عشرة والثامنة عشرة، ثم استمر استخدامها في فترات لاحقة، وهو ما يظهر في تنوع المقابر واللقى الأثرية المكتشفة فيها.
مقابر صخرية وطقوس نادرة.. ليست للملوك وحدهم
تضم الجبانة مقابر صخرية منحوتة في سفوح الجبال، تتباين تصميماتها ومساحاتها؛ فمنها ما يتكون من مدخل وصالة ونقوش جنائزية وحجرات دفن، ومنها ما يحتوي على آبار دفن ترتبط بحجرات أو تجاويف داخل الصخور.
كما كشفت الحفائر عن توابيت ومومياوات وقطع أثرية ودفنات أُعيد استخدامها في عصور لاحقة، ما يقدم معلومات عن تطور طقوس الدفن وأساليب حماية الجثامين والمقتنيات الجنائزية.
ويشدد فرح على أن الجبانة لا تقتصر على الملوك، بل تضم مقابر كبار الموظفين والكهنة والكتبة والقادة، الذين توثق نقوشهم وألقابهم طبيعة مناصبهم وعلاقتهم بمؤسسات الدولة والمعابد.
وتحمل عدد من المقابر المعروفة أرقاما أثرية وأسماء أصحابها، إلى جانب مقابر أخرى كشفت عنها البعثات المصرية في مواسم الحفائر الأخيرة.
أوسرحات.. 1050 تمثالا من الأوشابتي
يأتي الكشف عن مقبرة أوسرحات في مقدمة الاكتشافات البارزة. ففي أبريل 2017 أعلنت وزارة الآثار آنذاك العثور على ستة توابيت و1050 تمثالا صغيرا من الأوشابتي داخل مقبرة تعود إلى الأسرة الثامنة عشرة، وكان صاحبها يحمل لقب قاضي المدينة.
وتكتسب تماثيل الأوشابتي أهميتها من وظيفتها الرمزية في العقائد الجنائزية المصرية، إذ كان يُعتقد أنها تؤدي الأعمال نيابة عن المتوفى في العالم الآخر. ولم تتوقف قيمة الكشف عند عدد القطع، بل امتدت إلى ما تتيحه من دراسة النقوش والأسماء والتفاصيل الفنية، بما يساعد على فهم المقبرة والطقوس المرتبطة بها.
أمنمحات.. صانع ذهب آمون
ومن المقابر المعروفة كذلك مقبرة أمنمحات، الذي ارتبط عمله بصناعة الذهب للإله آمون، وضمت المقبرة عناصر معمارية ونقوشا وقطعا جنائزية، وعُثر فيها على توابيت ومومياوات وأقنعة خشبية وتماثيل صغيرة وأوان فخارية، إضافة إلى مقتنيات تعود إلى فترات مختلفة.
وتكشف هذه المكتشفات جانبا من مكانة الحرفيين والمتخصصين المرتبطين بالمعابد، وتوضح أن المنطقة لم تُخصص لدفن أصحاب المناصب الإدارية وحدهم، بل ضمت شخصيات ارتبطت بالأنشطة الدينية والاقتصادية.
كما يشير وجود توابيت وقطع من فترات لاحقة داخل بعض مناطق الدفن إلى إعادة استخدام الآبار والحجرات الجنائزية عبر الزمن.
أسماء كبيرة في مقابر معروفة
تضم ذراع أبو النجا مقابر ارتبطت بكبار الموظفين والكهنة، من بينها:
مقبرة روي (TT255): صاحبها حمل لقب الكاتب الملكي.
مقبرة دجيحوتي (TT11): شغل منصب وزير الخزانة والأشغال في عهد الملكة حتشبسوت.
مقبرة شوروي (TT13): ارتبط عمله بالطقوس الدينية في معبد آمون.
مقبرة باكي (TT18): ارتبطت بأحد كبار المسؤولين عن وزن الذهب في معبد آمون خلال عصر الملك تحتمس الثالث.
وتستمد هذه المقابر أهميتها من النقوش والألقاب والمناظر الجنائزية التي تحدد مكانة أصحابها وتلقي الضوء على الإدارة الملكية والأنشطة الدينية والاقتصادية في طيبة القديمة.
كما يتيح وجود أرقام أثرية معروفة للباحثين مقارنة التخطيط المعماري والنقوش والمحتويات، وتتبع تغير أساليب الدفن عبر العصور.
مايو 2025.. ثلاث مقابر جديدة تخرج للنور
في مايو 2025 أعلنت وزارة السياحة والآثار الكشف عن ثلاث مقابر جديدة من عصر الدولة الحديثة في الجبانة، أضافت معلومات عن شخصيات ارتبطت بالمؤسسات الإدارية والدينية في مصر القديمة.
وشملت المقابر مقبرة باكي، الذي أشرف على صومعة الغلال، ومقبرة إس، ومقبرة آمون إم إبت، المرتبط بمعبد آمون.
وأظهرت المكتشفات تنوعا في التخطيط المعماري، فيما أتاحت النقوش والألقاب معلومات عن أصحابها ووظائفهم، بما يساعد على فهم طبيعة المجتمع الطيبي في عصر الدولة الحديثة.
وتؤكد هذه الاكتشافات أن دراسة المقابر لا تتوقف عند العثور عليها، بل تشمل فحص النقوش واللقى ومقارنتها بالمصادر التاريخية الأخرى.
مايو 2026.. خبيئة التوابيت العشرة ومومياوات القطط
وفي مايو 2026 أعلنت وزارة السياحة والآثار نتائج جديدة لأعمال البعثة المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار، التي بدأت موسم حفائرها في نوفمبر 2025 وركزت على الجزء الجنوبي الشرقي من مقبرة روي (TT255)، وهي منطقة ظلت مغطاة بردم حفائر قديمة لأكثر من 150 عاما.
10 توابيت في بئر واحد
عثرت البعثة على عشرة توابيت خشبية بحالة حفظ جيدة داخل بئر دفن بفناء مقبرة باكي، تحمل نقوشا ومناظر متنوعة وتعود إلى فترات مختلفة.
وأظهرت الدراسات الأولية أن أربعة منها تعود إلى الأسرة الثامنة عشرة، بينها تابوت يحمل اسم مريت، التي عملت منشدة للمعبود آمون.
كما عُثر على تابوت من عصر الرعامسة يحمل اسم بادي آمون، الذي كان كاهنا بمعبد آمون، بينما تعود بقية التوابيت إلى العصر المتأخر.
ورجحت الدراسات أن البئر استُخدم في العصور القديمة خبيئة لحفظ التوابيت بعد نقلها من أماكن دفنها الأصلية بهدف حمايتها، خصوصا مع تدهور حالة المومياوات بداخلها.
مقبرة الكاهن المطهر: كشفت البعثة كذلك عن مقبرة جديدة للكاهن المطهر بمعبد آمون عا شفي نختو، تتكون من فناء صغير وبئر مستطيل ومدخل مزين بمناظر تقديم القرابين ونصوص جنائزية، يؤدي إلى صالة مستطيلة تنتهي بحجرة الدفن.
وحملت النقوش معلومات عن صاحبها وأسرته، من بينها اسم والده بادي آمون الذي حمل اللقب نفسه، واسما زوجتيه إيزيس وتا كافت، اللتان ارتبطتا بلقب منشدة بمعبد آمون.
هريم «الكاتب والنبيل»: عُثر أيضا على هريم من الحجر الرملي داخل مقبرة صغيرة تحمل الرقم DP91، يحمل اسم بنجي ولقبه «الكاتب والنبيل»، ولم تُحدد حتى الآن المقبرة الأصلية التي كان يعلوها.
أكثر من 30 مومياء قطط: وفي اكتشاف لافت، عثرت البعثة على دفنة تضم أكثر من 30 مومياء لقطط صغيرة وكبيرة، برية وأليفة، ملفوفة بأقمشة كتانية ومربوطة بأشرطة، ويرجح أنها تعود إلى العصر البطلمي الذي شهد استخدام مومياوات الحيوانات في الممارسات الدينية والقرابين الرمزية.
وتكشف هذه النتائج عن تنوع المكتشفات بين مقابر الأفراد والتوابيت واللقى الجنائزية ودفنات الحيوانات المحنطة، وتسلط الضوء على أهمية مواصلة التوثيق والترميم والدراسة العلمية.
تمثل ذراع أبو النجا موقعا يمكن أن يسهم في تنويع المنتج السياحي بالأقصر، إلى جانب المعابد الملكية ومقابر وادي الملوك والملكات وسائر مناطق البر الغربي. فالمقابر المكتشفة تتيح التعرف على جوانب من الحضارة المصرية لا تقتصر على حياة الملوك، بل تشمل الكهنة والكتبة والموظفين والحرفيين وما ارتبط بهم من معتقدات جنائزية وممارسات دينية وإدارية.
كما تضيف الاكتشافات الجديدة إلى السجل الأثري لطيبة القديمة، وتعزز أهمية العمل العلمي الذي يجمع بين الحفائر والتوثيق والترميم والنشر البحثي.
وبين مقابر منحوتة في الصخر، وتوابيت تحمل أسماء أصحابها، ونقوش تسجل ألقابا ووظائف، تواصل ذراع أبو النجا الكشف عن فصول من تاريخ الأقصر القديمة، في منطقة لا تزال أعمال الحفائر والدراسة فيها تفتح الباب أمام مزيد من المعرفة بأحد أهم مراكز الحضارة المصرية.


