رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

قصر الصفا بالإسكندرية.. تحفة معمارية تاريخية تحولت إلى أحد القصور الرئاسية

قصر الصفا
قصر الصفا

يُعد قصر الصفا بالإسكندرية واحدًا من أبرز القصور التاريخية التي تجمع بين عراقة الماضي وفخامة العمارة، إذ يقف على ربوة مرتفعة في منطقة زيزينيا، مطلًا على مياه البحر المتوسط، ليشكل علامة معمارية مميزة في عروس البحر المتوسط، ويحمل بين جدرانه حكايات متعددة بدأت في القرن التاسع عشر، مرورًا بالعهد الملكي، وصولًا إلى استخدامه ضمن القصور الرئاسية في مصر. ويُخصص القصر لاستقبال ضيوف الرئاسة وكبار المسؤولين ورجال الدولة خلال وجودهم في الإسكندرية.

قصر الصفا.. حكاية بدأت في القرن التاسع عشر

تعود نشأة قصر الصفا إلى عام 1887، عندما شيده الكونت اليوناني إستيفان زيزينيا، الذي عمل في تجارة القطن وشغل منصب قنصل بلجيكا في مصر. وقد ارتبط اسم الرجل بالمنطقة التي أُقيم فيها القصر، فأصبحت زيزينيا مع مرور الوقت من الأحياء المعروفة بعمارتها الراقية وقصورها وفيلاتها التاريخية.

وشهدت المنطقة خلال تلك الفترة إقبالًا من أفراد الطبقة الأرستقراطية وأصحاب المكانة الاجتماعية والاقتصادية على إنشاء القصور والسرايات، وهو ما أسهم في تشكيل طابع معماري مميز للحي، الذي احتفظ بجزء من ملامحه التاريخية حتى اليوم.

ويتميز موقع القصر بارتفاعه النسبي وإطلالته على البحر المتوسط، الأمر الذي يمنحه حضورًا بصريًا لافتًا بين المباني التاريخية في الإسكندرية، ويجعله أحد المعالم المرتبطة بذاكرة المدينة المعمارية.

من قصر زيزينيا إلى فندق جلوريا

لم يحتفظ المبنى بوظيفته الأولى طوال تاريخه، إذ تحول في مرحلة لاحقة إلى فندق عُرف باسم «جلوريا أوتيل»، قبل أن تبدأ مرحلة جديدة من حكايته عام 1927، عندما اشتراه الأمير محمد علي توفيق، نجل الخديوي توفيق، وأعاد تجديده وتحويله إلى قصر ملكي.

وأطلق الأمير محمد علي على القصر اسم «الصفا»، تيمنًا بجبل الصفا في مكة المكرمة، المرتبط بشعائر الحج. ومنذ ذلك الوقت، ارتبط اسم القصر بتاريخ الأمير واهتماماته الفنية والمعمارية، كما أصبح جزءًا من مشهد القصور الملكية التي شهدتها الإسكندرية خلال تلك المرحلة.

الأمير محمد علي توفيق وعلاقته بالقصر

ارتبط اسم قصر الصفا بالأمير محمد علي توفيق، الذي كان من الشخصيات المعروفة باهتمامها بالفنون والعمارة الإسلامية. وقد انعكس هذا الاهتمام على بعض تفاصيل القصر، من خلال الزخارف والكتابات القرآنية التي تزين أجزاء من واجهته، ومن بينها عبارة «ادخلوها بسلام آمنين» عند المدخل.

ويمنح هذا الطابع القصر خصوصية تجمع بين التأثيرات المعمارية الأوروبية التي انتشرت في الإسكندرية خلال القرن التاسع عشر، واللمسات الإسلامية التي أضافها الأمير خلال مرحلة تجديده. ويعكس هذا المزيج جانبًا من التنوع الثقافي والفني الذي ميّز عمارة المدينة في تلك الحقبة.

كما يرتبط اسم الأمير محمد علي توفيق بتاريخ الأسرة العلوية؛ فقد تولى الوصاية على العرش عقب وفاة الملك فؤاد الأول، إلى حين بلوغ الملك فاروق السن القانونية لتولي سلطاته الدستورية عام 1936.

ملامح معمارية تجمع بين الفخامة والفن

يضم قصر الصفا مجموعة من العناصر المعمارية والديكورات التي تعكس طبيعة استخدامه التاريخي، إذ تشير بيانات رئاسة الجمهورية إلى وجود بهو مدخل مزين بتجاليد خشبية وزخارف نباتية، إلى جانب مرايا بلجيكية ونجفة نحاسية، فضلًا عن صالون رئيسي يضم قطع أثاث وتحفًا ذات طابع تاريخي.

وتبرز هذه التفاصيل قيمة القصر بوصفه مبنى لا تقتصر أهميته على موقعه المطل على البحر، بل تمتد إلى ما يحمله من عناصر فنية وديكورية توثق جانبًا من أنماط الحياة داخل القصور في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.

وتتجلى أهمية هذه العناصر في قدرتها على تقديم صورة عن الذوق المعماري الذي ساد بين النخب الاجتماعية في الإسكندرية، حيث اجتمعت الزخارف والأثاث والتحف في تكوين يعكس مظاهر الثراء والتأثر بالمدارس الفنية المختلفة.

قصر الصفا ضمن القصور الرئاسية في مصر

بعد انتهاء العهد الملكي، أصبح قصر الصفا ضمن القصور الرئاسية المصرية، وأُعد لاستقبال ضيوف الرئاسة وكبار الوزراء ورجال الدولة خلال وجودهم في الإسكندرية. وبذلك انتقل المبنى من كونه قصرًا ارتبط بأسماء وشخصيات من القرن التاسع عشر والعهد الملكي إلى منشأة ذات وظيفة رسمية ضمن منظومة القصور الرئاسية.

ويمنح هذا التحول القصر مكانة خاصة في تاريخ المباني الرسمية بالإسكندرية، إذ يجمع بين قيمته المعمارية بوصفه مبنى تاريخيًا، ودوره الحالي المرتبط باستقبال كبار ضيوف الدولة.

زيزينيا.. حي القصور والذاكرة المعمارية

لا يمكن تناول تاريخ قصر الصفا بمعزل عن منطقة زيزينيا، التي ارتبطت خلال مراحل مختلفة بانتشار القصور والفيلات ذات الطابع الراقي. فقد أسهمت هذه المباني في تشكيل هوية بصرية مميزة للحي، وجعلته جزءًا من تاريخ العمران في الإسكندرية، المدينة التي جمعت بين التأثيرات المتوسطية والأوروبية والمحلية.

وتضم المنطقة معالم تاريخية أخرى، من بينها قصر المجوهرات، المعروف اليوم باسم متحف المجوهرات الملكية، وهو ما يعكس حضور القصور التاريخية في ذاكرة الحي. وتكشف هذه المنشآت عن مرحلة من تطور المدينة العمراني والاجتماعي، عندما أصبحت الإسكندرية مقصدًا للنخب السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

قصر الصفا.. شاهد على تحولات التاريخ المصري

يمثل قصر الصفا نموذجًا لمبنى تغيرت وظائفه وأدواره عبر الزمن؛ فقد بدأ قصرًا شيده أحد كبار تجار القطن في القرن التاسع عشر، ثم تحول إلى فندق، قبل أن يشتريه الأمير محمد علي توفيق ويعيد تجديده ليصبح قصرًا ملكيًا، ثم يدخل لاحقًا ضمن القصور الرئاسية المصرية.

وتكشف هذه الرحلة التاريخية عن قدرة بعض المباني على الاحتفاظ بحضورها رغم تغير الظروف السياسية والاجتماعية المحيطة بها. فالقصر لا يمثل مجرد منشأة معمارية تطل على البحر المتوسط، بل يحمل جانبًا من تاريخ الإسكندرية وتطور أحيائها الراقية، كما يقدم مثالًا على تداخل العمارة والفن والحياة السياسية في تاريخ مصر الحديث.

وبين موقعه المرتفع في زيزينيا، وتفاصيله المعمارية، وارتباطه بالأمير محمد علي توفيق، يظل قصر الصفا أحد المعالم التي تستحق التوثيق والتعريف بتاريخها، باعتبارها جزءًا من التراث العمراني الذي يمنح الإسكندرية شخصيتها المميزة ويصل حاضر المدينة بمراحل مهمة من ماضيها.

تم نسخ الرابط