رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

في ذكرى أكتوبر.. حكاية عالم آثار كرس حياته لاكتشاف أسرار سيناء

صورة للمواقع الأثرية
صورة للمواقع الأثرية بسيناء

بمناسبة ذكرى نصر أكتوبر المجيد، نشرت صفحة «الوعي الأثري بسقارة» مجموعة من الصور النادرة لعالم الآثار المصري الراحل الدكتور محمد عبد المقصود عبد الرحيم، أحد أبرز علماء الآثار الميدانيين في مصر، والذي ارتبط اسمه على مدار عقود بآثار سيناء، خاصة أعمال الكشف عن طريق حورس الحربي والقلاع والحصون التي شكلت منظومة الدفاع عن الحدود الشرقية لمصر عبر العصور.

وقال محمد محمد عبد الرحمن، مسؤول إدارة الوعي الأثري، إن الدكتور محمد عبد المقصود قاد بعثة الحفائر المصرية في شمال سيناء لأكثر من 25 عاما، وأسهمت أعمال البعثة في الكشف عن مواقع حبوة 1 و2 و3، والتعرف على موقع ثارو، الذي ارتبط بطريق حورس الحربي وبوابة مصر الشرقية.

وأوضح أن نتائج الحفائر والدراسات الأثرية جرى مقارنتها بما ورد في نقش الملك سيتي الأول بمعابد الكرنك، والذي يعد من أبرز المصادر الأثرية التي تصور مسار الطريق العسكري المؤدي إلى الحدود الشرقية لمصر.

سيناء.. أرض عرفت المصريين منذ عصور ما قبل التاريخ

وتشير الشواهد الأثرية إلى أن المصريين عاشوا في سيناء منذ العصر الحجري القديم الأعلى، كما ظهرت بها أدلة على الاستيطان خلال العصر الحجري الحديث والعصر الحجري النحاسي والعصر البرونزي.

وخلال عصر الدولة القديمة، كانت سيناء جزءا من المملكة المصرية الممتدة في وادي النيل والدلتا، ولعبت المنطقة دورا مهما في تاريخ مصر، ما يظهر بوضوح من خلال النقوش المسجلة في وادي المغارة وسرابيط الخادم، والتي ارتبط جانب كبير منها باستغلال موارد سيناء الطبيعية، خاصة الفيروز والمعادن.

ومع وصول ملوك الأسرة الثامنة عشرة إلى الحكم، وبعد تجربة الهكسوس وما صاحبها من غزو لأجزاء من البلاد، أصبح تأمين الحدود الشرقية لمصر ضرورة استراتيجية، خاصة مع إدراك الملوك أهمية وجود قوة قادرة على حماية الحدود والتعامل مع التحولات السياسية والعسكرية في الشرق الأدنى القديم.

ومن ثم، لم تعد سيناء تؤدي دورا اقتصاديا فقط من خلال التجارة واستغلال المناجم والمحاجر، وإنما اكتسبت أهمية عسكرية متزايدة، وأصبحت ممرا رئيسيا للجيوش المصرية المتجهة إلى الحدود الشرقية.

أسماء متعددة لسيناء في مصر القديمة

وعرفت سيناء بعدة أسماء في النصوص المصرية القديمة، من بينها «تا مفكات» بمعنى أرض الفيروز، و«ختيو مفكات» بمعنى مدرجات الفيروز، و«جو مفكات» بمعنى جبل الفيروز، و«خاست مفكات» بمعنى صحراء الفيروز.

كما عرفت باسم «تا شسمت»، أي أرض المعدن الأخضر، في إشارة إلى ثرواتها المعدنية التي جعلتها واحدة من المناطق المهمة في تاريخ مصر القديمة.

وشهدت سيناء على مدار تاريخها بعثات عديدة للتنقيب عن الفيروز والكشف عن مواقع التعدين والآثار المرتبطة بالحضور المصري في المنطقة.

مواقع أثرية تكشف تاريخ سيناء

وتضم شمال سيناء عددا كبيرا من المواقع الأثرية، من أبرزها تل القنطرة شرق، وتل أبو صيفي، ومجموعة تلال حبوة المعروفة بارتباطها بثارو، وتل البرج، وتل الغابة، وتل الكدوة، وتل الحير، وتل الفرما «بيلوزيوم»، وبئر العبد «تل الدراويش»، وتل قصراويت، وتل الخوينات، وتل السويدات، وتل الفلوسيات، وتل الخروبة، وتل الشيخ زويد، وتل المخزن، ومنطقة عين القديرات، وتل المضبعة، والعريش، ورفح، وتل قبر عمير، إلى جانب مواقع أخرى مرتبطة بطريق حورس الحربي.

أما جنوب سيناء، فتضم مواقع أثرية مهمة، من بينها سرابيط الخادم، ونقوش مناجم وادي المغارة، وعيون موسى، ووادي الخريج، وسهل المرخا، ووادي فيران، ودير سانت كاترين، بالإضافة إلى قلعة صلاح الدين الأيوبي بجزيرة فرعون في طابا.

طريق حورس.. أقدم طريق حربي في مصر

كان طريق حورس واحدا من أهم المحاور العسكرية والاستراتيجية في تاريخ مصر القديمة، حيث عبرته الجيوش المصرية في طريقها إلى الحدود الشرقية، وارتبط بشبكة متكاملة من القلاع والحصون ومحطات الإمداد والحماية.

ويرتبط اسم الدكتور محمد عبد المقصود بشكل وثيق بالكشف عن جانب مهم من هذه المنظومة الأثرية، وفي مقدمتها قلعة ثارو بمنطقة تل حبوة، التي تعد من أبرز القلاع العسكرية المرتبطة بطريق حورس وبوابة مصر الشرقية.

ولم تقتصر أهمية أعمال الدكتور محمد عبد المقصود على الكشف عن مبان أثرية منفردة، وإنما أسهمت في إعادة قراءة جانب مهم من التاريخ العسكري والاستراتيجي لمصر القديمة، وفهم طبيعة منظومة الدفاع التي أقامتها الدولة المصرية لحماية حدودها الشرقية.

عندما عادت سيناء إلى السيادة المصرية

ومن القصص التي ارتبطت ببدايات عمل الدكتور محمد عبد المقصود في سيناء، ما رواه بنفسه عن الفترة التي أعقبت انسحاب القوات الإسرائيلية وعودة السيادة المصرية إلى سيناء.

فخلال تلك الفترة، عثر فريق العمل على لوحات إرشادية للمواقع الأثرية في جنوب سيناء، وكانت قد غطتها كتابات باللغة العبرية، ليقوم الدكتور محمد عبد المقصود وزملاؤه بإزالة هذه الكتابات وإعادة كتابة البيانات باللغة العربية على اللوحات.

وحمل هذا الموقف دلالة رمزية على استعادة الهوية المصرية للمواقع الأثرية في سيناء، ليؤكد أن عمل عالم الآثار لا يتوقف عند حدود الكشف عن المباني والنقوش، وإنما يمتد إلى توثيق الذاكرة وحماية الهوية والتراث.

مسيرة علمية ارتبطت بآثار سيناء

جمع الدكتور محمد عبد المقصود بين العمل الميداني والبحث العلمي والمسؤولية الوطنية، وتولى عددا من المناصب المهمة في منظومة الآثار المصرية، من بينها رئاسة الإدارة المركزية لآثار الوجه البحري وسيناء، كما شغل منصب الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار.

وكان له أيضا دور في جهود استعادة آثار سيناء من الخارج، إلى جانب مشاركته في عدد من المحافل الدولية المعنية بالتراث المصري، ليصبح اسمه مرتبطا بمرحلة مهمة من مراحل إعادة اكتشاف وتوثيق بوابة مصر الشرقية وإبراز القيمة التاريخية والعسكرية والأثرية لسيناء.

في ذكرى أكتوبر.. تكريم عالم حمل تاريخ سيناء

وفي ذكرى نصر أكتوبر المجيد، تبرز سيرة الدكتور محمد عبد المقصود باعتبارها نموذجا لدور علماء الآثار في توثيق تاريخ الوطن، بالتوازي مع الدور الذي لعبه أبطال القوات المسلحة في الدفاع عن الأرض واستعادة السيادة المصرية.

وتخليدا لإسهاماته وتقديرا لمسيرته العلمية والمهنية، أطلقت وزارة السياحة والآثار اسم الدكتور محمد عبد المقصود، الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار، على المخزن المتحفي بمدينة القنطرة شرق بمحافظة الإسماعيلية.

وأكد شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، أن إطلاق اسم الدكتور محمد عبد المقصود على المخزن الأثري يمثل لفتة وفاء لأحد أبرز الأثريين المصريين، الذي كرس حياته لخدمة الآثار المصرية، خاصة آثار سيناء التي ارتبط بها علميا وميدانيا على مدار عقود، وأسهم في إبراز قيمتها التاريخية والحضارية على المستويين المحلي والدولي.

تم نسخ الرابط