رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

من الخلية إلى الإناء.. كيف جمع المصري القديم العسل؟

 تربية النحل وإنتاج
تربية النحل وإنتاج العسل

لم تكن تربية النحل وإنتاج العسل من الأنشطة المجهولة لدى المصريين القدماء، بل تركوا لنا مشاهد مصورة توثق مراحل من هذه العملية، وتكشف جانبًا من الحياة اليومية والأنشطة الاقتصادية في مصر القديمة. ومن أبرز هذه الشواهد منظر تربية النحل وجمع العسل الموجود في مقبرة باباسا TT279 بمنطقة العساسيف في البر الغربي بالأقصر.

وتعود المقبرة إلى الأسرة السادسة والعشرين، خلال العصر الصاوي، وترتبط بباباسا، الذي حمل لقب كبير وكلاء زوجة آمون الإلهية نيتوكريس في عهد الملك بسماتيك الأول. وتضم المقبرة عددًا من المناظر التي تصور أنشطة متنوعة، من بينها صناعة النبيذ وجمع الثمار وصيد الأسماك والطيور، إلى جانب مشاهد نادرة لتربية النحل.

خلايا أسطوانية.. نموذج مبكر لمناحل منظمة

يُظهر أحد أجزاء المنظر مجموعة من الخلايا الأفقية الأسطوانية مرتبة في صفوف، وهي من النماذج التي ارتبطت بتربية النحل في مصر القديمة. وتظهر أمامها شخصية منحنية أو جاثية بالقرب من الخلايا، بينما يمكن رؤية رسوم للنحل حول المكان.

وتشير الدراسات المتخصصة إلى أن مشهد باباسا من أفضل مشاهد تربية النحل المحفوظة من العصر المتأخر، وأن الجزء السفلي منه يصور ثماني خلايا أنبوبية منفصلة، بينما يظهر في الجزء العلوي شخص واقف يتعامل مع العسل.

ولا تقتصر أهمية المشهد على وجود الخلايا والنحل فقط، وإنما تكمن في أنه يقدم تصورًا بصريًا عن مراحل التعامل مع المنتج بعد الحصول عليه من الخلايا.

كيف جمع المصري القديم العسل؟

تكشف المقارنات بين مناظر تربية النحل المصرية أن عملية جمع العسل كانت تتطلب التعامل بحذر مع النحل. وتشير الدراسات إلى أن النحال كان يقترب من الخلايا ويفحصها، ثم يمكن استخدام الدخان لتهدئة النحل وإبعاده عن الخلايا أثناء عملية استخراج أقراص العسل.

وبعد استخراج الأقراص، كان العسل يُفصل ويُجمع في أوانٍ، ثم يُنقل إلى أوعية أخرى للحفظ والتخزين. وتظهر في مناظر مصرية أخرى عمليات مرتبطة بعصر الأقراص واستخراج العسل منها، وهو ما يساعد على تفسير المشاهد المصورة في مقابر كبار الموظفين.

أما في منظر مقبرة باباسا، فيظهر في الجزء العلوي شخص واقف وهو يسكب العسل في وعاء للتخزين، وهي لقطة تمنح المشهد قيمة خاصة باعتباره لا يصور الخلية فقط، وإنما يشير أيضًا إلى مرحلة التعامل مع العسل بعد جمعه.

العسل.. أكثر من مجرد غذاء

كان العسل منتجًا مهمًا في المجتمع المصري القديم، وتعددت استخداماته، فلم يقتصر على التحلية والطعام، بل ارتبط أيضًا بالطب والمراهم وبعض الممارسات الدينية والجنائزية.

وتشير الدراسات إلى استخدام العسل في علاج بعض الجروح والالتهابات، كما ورد ضمن السلع والمنتجات ذات القيمة في النصوص المصرية القديمة، الأمر الذي يعكس أهمية النحل والعسل اقتصاديًا وعمليًا.

No photo description available.

كما ارتبط النحل والعسل بالرمزية الملكية والدينية في مصر القديمة؛ فالنحلة ظهرت ضمن عناصر اللقب الملكي المرتبط بملك الوجهين القبلي والبحري، كما ارتبطت رمزية النحل بعدد من المعبودات والمراكز الدينية.

باباسا.. صورة للحياة اليومية في العصر المتأخر

تتميز مقبرة باباسا بأن جدرانها لا تقدم فقط نصوصًا دينية أو مناظر مرتبطة بالعالم الآخر، وإنما تنقل أيضًا صورًا لأنشطة مرتبطة بالحياة والعمل والإنتاج.

ومن خلال مشاهد تربية النحل يمكن للباحث والزائر التعرف على جانب من التقنيات التي عرفها المصري القديم في التعامل مع النحل، وعلى أهمية العسل كمنتج يحتاج إلى تربية الخلايا واستخراجه ومعالجته وتخزينه.

وتكتسب هذه المشاهد أهمية إضافية لأنها تنتمي إلى العصر المتأخر، إذ تعد مقبرتا باباسا TT279 وأنخ-حور TT414 في العساسيف من أبرز الشواهد على تصوير تربية النحل خلال العصر الصاوي.

حكاية بدأت من الخلية

من خلايا أسطوانية مصنوعة من الطين إلى أوانٍ مخصصة لجمع العسل، يرسم المصري القديم على جدران مقبرة باباسا صورة مختصرة لرحلة منتج عرف قيمته منذ آلاف السنين.

Wandmalerei, die eine Szene der Bienenzucht darstellt, auf einer Säule des Hypäthralhofs, aus dem Grab von Pabasa, Asasif

فالمشهد لا يوثق مجرد وجود النحل، وإنما يقدم نافذة على حرفة متكاملة تضم الخلايا والنحال والعسل وأدوات الجمع والتخزين، ويؤكد أن المصري القديم امتلك معرفة عملية بطبيعة النحل وطرق الاستفادة من إنتاجه.

وبعد أكثر من ألفي عام، لا تزال تلك التفاصيل المنقوشة على جدران مقبرة باباسا تمنحنا فرصة لإعادة قراءة واحدة من الحرف القديمة، لنكتشف كيف انتقل العسل في مصر القديمة من الخلية إلى الإناء، وكيف تحولت لحظة من العمل اليومي إلى مشهد خالد على جدران مقبرة في جبانة العساسيف.

تم نسخ الرابط