رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

قصر الأمير ماماي 2026.. أثر مملوكي عمره أكثر من 500 عام يتحول إلى مطعم وكافيه

قصر الأمير ماماي
قصر الأمير ماماي

في قلب القاهرة التاريخية، وبين مباني شارع المعز وأزقة الجمالية، يقف أثر مملوكي يحمل أكثر من خمسة قرون من تاريخ المدينة، بعدما تغيرت وظيفته مرات عديدة من قصر لأحد أمراء المماليك إلى مقر للمحكمة الشرعية، ثم أصبح اليوم مطعما وكافيه مع الحفاظ على طابعه الأثري.

إنه مقعد ماماي السيفي، الجزء الوحيد المتبقي من قصر الأمير ماماي، الذي شُيد في منطقة بيت القاضي خلال العصر المملوكي، وأصبح أحد الشواهد المعمارية والتاريخية اللافتة في القاهرة القديمة.

من هو الأمير ماماي السيفي؟

ارتبط الأمير ماماي السيفي بعصر السلطان قايتباي، كما عاصر ابنه الناصر محمد، وبدأ حياته في وظيفة الجمدار، وهي الوظيفة المرتبطة بملابس السلطان، قبل أن يتولى وظيفة الساقي الخاص بالسلطان.

وفي عام 901 هجرية، الموافق 1496 ميلادية، أنشأ الأمير ماماي قصره في منطقة بيت القاضي، ليكون في ذلك الوقت قصرا أكبر بكثير من الجزء الذي وصل إلى عصرنا الحالي.

ومع مرور مئات السنين والتغيرات العمرانية التي شهدتها القاهرة، اختفت أجزاء كبيرة من القصر، ولم يتبق منه سوى المقعد، الذي يمثل اليوم الجزء الباقي من المنشأة الأصلية.

ما معنى مقعد ماماي السيفي؟

لا تشير كلمة «مقعد» هنا إلى الكرسي أو مكان الجلوس بالمعنى المتداول حاليا، وإنما كانت تستخدم في العمارة التاريخية للدلالة على مكان مخصص لاستقبال الضيوف، وخاصة الرجال، وغالبا ما يكون مفتوحا على الفناء.

ويتميز مقعد ماماي السيفي بتكوين معماري يعكس خصائص العمارة المملوكية، حيث يقود المدخل الرئيسي إلى ردهة ثم إلى قاعة المقعد الصيفية.

وتضم القاعة سقفا خشبيا مزينا بالألوان والتذهيب، إلى جانب إفريز خشبي يحمل زخارف كتابية، بينما تتميز الواجهة بالعقود والأعمدة، فضلا عن الرنوك الخاصة بالأمير ماماي، ومنها رنك البقجة ورنك الكأس.

كيف تحول القصر إلى «بيت القاضي»؟

لم يحتفظ المكان بوظيفته الأصلية طوال تاريخه، إذ شهد تحولات كبيرة مع تغير العصور.

وخلال العصر العثماني، اتخذ القاضي والمحكمة الشرعية المكان مقرا لهما، ومن هنا ارتبط المبنى باسم «بيت القاضي»، وهو الاسم الذي امتد لاحقا إلى الشارع المحيط به.

ولا تتوقف أهمية المكان عند الجانب المعماري، إذ شهد عام 1805 اجتماعا شارك فيه ممثلون عن العلماء والأشراف ونقباء الطوائف والحرف، وانتهى بمبايعة محمد علي باشا لتولي حكم مصر وفقا للشروط التي جرى الاتفاق عليها.

وبذلك ارتبط مقعد ماماي السيفي بمرحلة مهمة من التحولات السياسية في تاريخ مصر الحديث.

لماذا اختفت أجزاء كبيرة من قصر الأمير ماماي؟

تغير شكل المنطقة المحيطة بالقصر على مدار السنوات، وكان لذلك أثر مباشر في بقاء المبنى.

وفي عهد الخديو إسماعيل، استغل فناء قصر ماماي وتحول إلى ميدان، كما افتتح شارع بيت القاضي عام 1873 ليربط بين شارع المعز والجمالية، وهو ما أدى إلى اختفاء أجزاء كبيرة من القصر الأصلي.

ولهذا فإن المبنى الموجود حاليا لا يمثل القصر بالكامل، وإنما الجزء المتبقي منه، وهو مقعد ماماي السيفي.

متى أصبح مقعد ماماي مطعما وكافيه؟

شهد الأثر خلال السنوات الأخيرة إعادة توظيف تتناسب مع توجهات استغلال المباني التاريخية مع الحفاظ على قيمتها الأثرية.

وفي مارس 2025، جرى تأجير مقعد ماماي السيفي لمدة 7 سنوات لاستخدامه كمقهى ومطعم، مع الالتزام بالشروط الخاصة بالحفاظ على المبنى الأثري وطريقة استخدامه.

وبالتالي فإن القول إن «قصر الأمير ماماي تحول إلى كافيه» يحتاج إلى قدر من الدقة؛ فالقصر الأصلي لم يعد قائما بالكامل، وإنما أعيد توظيف الجزء المتبقي منه، وهو المقعد الأثري، ليصبح مطعما وكافيه.

ترميم مقعد ماماي السيفي

لم يكن الحفاظ على المبنى وليد السنوات الأخيرة، إذ خضع مقعد ماماي السيفي لأعمال ترميم وصيانة على مراحل مختلفة.

وشهد المبنى أول عملية ترميم بين عامي 1901 و1909، ثم جرت أعمال أخرى ضمن مشروع تطوير وافتتاح آثار شارع المعز عام 2010.

وفي عام 2018، استكملت أعمال صيانة وترميم للمقعد ضمن الحملة القومية لإنقاذ 100 مبنى أثري في القاهرة التاريخية.

وساعدت هذه الأعمال في الحفاظ على العناصر المعمارية للمبنى وإبقائه شاهدا على مرحلة مهمة من تاريخ القاهرة.

ماذا يمكن أن تفعل عند زيارة مقعد ماماي؟

وجود المقعد في منطقة بيت القاضي يجعله جزءا من مسار سياحي وثقافي غني، خاصة مع قربه من شارع المعز وعدد من أبرز المعالم التاريخية في القاهرة القديمة.

ويمكن للزائر أن يبدأ جولته من شارع المعز، ثم ينتقل إلى منطقة بيت القاضي لمشاهدة مقعد ماماي، قبل استكمال الجولة باتجاه مجموعة السلطان قلاوون وخان الخليلي ومنطقة الحسين.

كما يوفر المبنى تفاصيل معمارية تستحق التأمل والتصوير، بداية من العقود والأعمدة، وصولا إلى الأسقف الخشبية المزخرفة والرنوك المملوكية.

هل يمكن زيارة المقعد من الداخل؟

يجب التفرقة بين زيارة الموقع باعتباره أثرا مسجلا وبين استخدامه الحالي كمطعم وكافيه.

وبما أن مقعد ماماي السيفي أعيد توظيفه تجاريا، فإن نظام الدخول والاستخدام قد يختلف عن المواقع الأثرية التي تتم زيارتها من خلال تذاكر تقليدية.

لذلك، من الأفضل التأكد من نظام التشغيل والدخول في يوم الزيارة، خاصة إذا كان الهدف هو مشاهدة المبنى من الداخل.

حكاية أثر تتغير وظيفته وتبقى ذاكرته

تكمن أهمية مقعد ماماي السيفي في أنه لا يمثل مجرد مبنى مملوكي قديم، بل يجسد مراحل متعاقبة من تاريخ القاهرة.

فالمكان بدأ جزءا من قصر أمير مملوكي، ثم ارتبط بالمحكمة الشرعية وحمل اسم بيت القاضي، وشهد اجتماعا مهما عام 1805، قبل أن تختفي أجزاء كبيرة من القصر مع التطورات العمرانية التي شهدتها المنطقة.

أما اليوم، فقد دخل المقعد مرحلة جديدة من تاريخه، بعدما أعيد توظيفه كمطعم وكافيه، ليجمع بين العمارة التاريخية والاستخدام المعاصر.

وهكذا يظل مقعد ماماي السيفي أحد الشواهد على قدرة القاهرة القديمة على الاحتفاظ بذاكرتها، حتى مع تغير وظائف مبانيها وشوارعها عبر مئات السنين.

تم نسخ الرابط