كنيسة «الأهرام».. تحفة يونانية في قلب القاهرة تستعيد مجدها بعد أكثر من قرن
في قلب القاهرة، وعلى شارع الجلاء، الذي كان يُعرف قديماً باسم شارع بولاق، تقف كنيسة القديسين قسطنطين وهيلانة للروم الأرثوذكس، في هدوء يختزن أكثر من مائة عام من التاريخ. ويعرفها كثير من أبناء القاهرة باسم «كنيسة الأهرام»، بسبب مجاورتها المباشرة للمبنى الرئيسي لمؤسسة الأهرام الصحفية.
لكن الكنيسة أقدم بكثير من مبنى الأهرام الذي يعرفه المصريون اليوم، وهي واحدة من أبرز الشواهد المعمارية على الحضور اليوناني في القاهرة خلال مطلع القرن العشرين.
حكاية بدأت عام 1907
تختلف بعض المصادر في تحديد سنة وضع حجر الأساس؛ فصحيفة «الأهرام» أشارت إلى عام 1906، بينما تسجل قاعدة التراث الثقافي اليوناني أن الأساس وُضع عام 1907، وأن الكنيسة افتتحت رسمياً يوم الأحد 18 مايو 1914.
وقد ارتبط تشييد الكنيسة باسم رجل الأعمال اليوناني نيستور تساناكليس، أحد أبرز رجال صناعة التبغ والسجائر في مصر في ذلك العصر، والذي أصبح رئيساً للجالية اليونانية في القاهرة.
وتؤكد سجلات التراث اليوناني أن الكنيسة أُقيمت برعايته وتمويله، فيما تشير دراسة حديثة عن التراث المعماري للجالية اليونانية إلى أن تمويل الإنشاء جاء من تساناكليس إلى جانب قرض من الجالية، على أرض تبرع بها الأخوان كيريازي.
وهكذا ارتبط اسم تساناكليس بالكنيسة باعتباره صاحب الدور الرئيسي في إنشائها وتمويلها، حتى أصبح اسمه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.
«ملك السجائر» الذي صنع ثروة في مصر
لم يكن تساناكليس شخصية عادية في الحياة الاقتصادية المصرية. فقد كان من رواد صناعة السجائر المصرية الحديثة؛ وتذكر مصادر تاريخ صناعة التبغ أنه بدأ نشاطه في القاهرة في القرن التاسع عشر، قبل أن تتوسع أعماله وتتحول علامته التجارية «Nestor Gianaclis» إلى واحدة من أشهر علامات السجائر المصرية الفاخرة، التي وصلت منتجاتها إلى أسواق خارج مصر.
وتُظهر إعلانات ووثائق تجارية تاريخية انتشار اسم Nestor Gianaclis في القاهرة وأوروبا والولايات المتحدة، وهو ما يفسر المكانة الاقتصادية التي وصل إليها الرجل في ذلك الوقت.
كما ارتبط اسمه بأحد القصور التي استخدمت في نشاطه الصناعي، والذي أصبح لاحقاً من المباني المرتبطة بتاريخ الجامعة الأمريكية في القاهرة.
عمارة تحمل روح اليونان وبيزنطة
شُيدت الكنيسة على طراز يجمع بين التقاليد الأرثوذكسية والروح البيزنطية، لتصبح كتلة معمارية لافتة في منطقة بولاق والقاهرة الخديوية.
وتبرز في تصميمها القبة المركزية الضخمة، إلى جانب برج الجرس المرتفع المنفصل عن جسم الكنيسة، وما يحمله من صلبان وزخارف مستوحاة من التقاليد المعمارية اليونانية.
ولم تكن الكنيسة مجرد مبنى للصلوات؛ فقد أُنشئ حولها مجمع اجتماعي وثقافي كبير، تبلغ مساحته الإجمالية نحو 11 ألف متر مربع وفق ما أوردته «الأهرام»، ويضم صحن الكنيسة ومرافق أخرى، بينها مقر للكشافة اليونانية وحدائق وخدمات تابعة للمجمع.
وبذلك أصبحت الكنيسة أحد المراكز الأساسية للحياة الروحية والاجتماعية والثقافية للجالية اليونانية في القاهرة.
«كنيسة القديس نيستور».. تكريم داخل الكنيسة
ولا يزال اسم مؤسس الكنيسة حاضراً داخلها بصورة خاصة؛ إذ توجد كنيسة صغيرة مخصصة للقديس نيستور داخل الكنيسة الكبرى.
وتؤكد بطريركية الإسكندرية وسائر إفريقيا أن هذه المقصورة مكرسة لذكرى مؤسس الكنيسة، نيستور تساناكليس، وقد صلى فيها البطريرك ثيودوروس الثاني خلال احتفالات الكنيسة بعد ترميمها.
وتضيف هذه التفاصيل بعداً إنسانياً إلى قصة المبنى، إذ لم يعد اسم الرجل مرتبطاً فقط بلوحة تأسيس أو وثيقة تاريخية، وإنما بقي حاضراً في أحد أركان الكنيسة التي ارتبط اسمه بإنشائها.
لماذا «كنيسة الأهرام»؟
أما الاسم الشعبي الذي التصق بالكنيسة خلال العقود الأخيرة، فهو «كنيسة الأهرام».
والسبب بسيط: الكنيسة تقع ملاصقة للمبنى الرئيسي لمؤسسة الأهرام في شارع الجلاء. وقد أصبح هذا الجوار جزءاً من الصورة الذهنية للمكان، حتى باتت الصور الحديثة للكنيسة كثيراً ما تُلتقط من مباني الأهرام المحيطة بها.
والمفارقة أن الكنيسة كانت قائمة منذ عام 1914، أي قبل عقود من وصول المنطقة إلى صورتها الصحفية والعمرانية الحالية.
من «جوهرة» الجالية إلى سنوات الإهمال
على مدار القرن العشرين، ظلت الكنيسة مركزاً مهماً للجالية اليونانية في القاهرة، وشهدت احتفالات وصلوات ومناسبات اجتماعية وثقافية متعددة.
وتصف بطريركية الإسكندرية الكنيسة بأنها ذات مكانة خاصة في حياة الأرثوذكس اليونانيين في مصر وإفريقيا، باعتبارها مركزاً روحياً وتاريخياً للجالية.
لكن مرور الزمن ترك آثاره على المبنى، فتراكمت عوامل الزمن والطقس والزلازل والإهمال، إلى أن أصبحت عملية الإنقاذ والترميم ضرورة للحفاظ على هذا الأثر المعماري.
عودة الأيقونات والبهاء في 2019
بعد سنوات طويلة، بدأت عملية ترميم واسعة للكنيسة، شاركت فيها الجالية اليونانية في القاهرة، وأسهمت في تمويلها المحسنة اليونانية كاثيريني سوفِيانو-بيليفانتي.
وفي 28 سبتمبر 2019، أقيم الاحتفال التاريخي بإعادة تكريس الكنيسة بعد أعمال الترميم، بحضور بطريرك الإسكندرية وسائر إفريقيا ثيودوروس الثاني، ووزير الآثار المصري آنذاك خالد العناني، وعدد من المسؤولين والدبلوماسيين وممثلي الكنائس اليونانية والقبرصية.
وأكدت المصادر الكنسية أن أعمال الترميم أعادت للكنيسة الكثير من رونقها السابق، فيما وصفتها بطريركية الإسكندرية بأنها إحدى جواهر الأرثوذكسية في إفريقيا.
صورة من زمن آخر
اليوم، تمنح الصور التاريخية والنادرة للكنيسة فرصة لإعادة قراءة القاهرة من زاوية مختلفة؛ القاهرة التي كانت في مطلع القرن العشرين مدينة متعددة الثقافات والجاليات، تتجاور فيها العمارة المصرية والأوروبية واليونانية والشرقية.
ومن بين هذه الشواهد تظل كنيسة القديسين قسطنطين وهيلانة قائمة في شارع الجلاء، بقبتها وبرج أجراسها وزخارفها، شاهدة على قصة الجالية اليونانية في مصر، وعلى رجل أعمال اسمه نيستور تساناكليس ترك وراءه أثراً يتجاوز صناعة السجائر والثروة.
وبعد أكثر من قرن على وضع حجر أساسها وافتتاحها عام 1914، لم تعد الكنيسة مجرد مبنى تاريخي؛ بل أصبحت وثيقة معمارية حية تختصر فصلاً مهماً من تاريخ القاهرة الحديثة، وتثبت أن بعض مباني المدينة لا تحفظ الحجر فقط، وإنما تحفظ ذاكرة جماعات كاملة عاشت فيها وتركت بصمتها على ملامحها.
- # كنيسة القديسين قسطنطين وهيلانة
- # كنيسة قسطنطين وهيلانة
- # كنيسة الأهرام
- # كنيسة الروم الأرثوذكس
- # الروم الأرثوذكس في مصر
- # الجالية اليونانية في مصر
- # اليونانيون في القاهرة
- # شارع الجلاء
- # شارع بولاق
- # وسط البلد
- # القاهرة القديمة
- # كنائس القاهرة
- # العمارة البيزنطية
- # العمارة اليونانية
- # التراث اليوناني في مصر
- # تاريخ القاهرة
- # نيستور تساناكليس
- # نيستور جناكليس
- # Nestor Gianaclis
- # Nestor Tsanaklis
- # صناعة السجائر في مصر
- # كنائس مصر التاريخية
- # الكنيسة اليونانية بالقاهرة
- # ترميم كنيسة قسطنطين وهيلانة
- # كنيسة الأهرام 1914
- # القاهرة في القرن العشرين
- # صور القاهرة القديمة
- # التراث المعماري