السياحة العلاجية في مصر.. الأقصر تستعيد إرثها التاريخي وتجذب المرضى الأجانب
تسعى مصر إلى توسيع حضورها في سوق السياحة العلاجية العالمية، مستفيدة من مقوماتها السياحية والطبية وموقعها الجغرافي، في محاولة لإعادة إحياء إرث تاريخي ارتبط بمدن مثل الأقصر، التي كانت خلال القرن التاسع عشر وجهة يقصدها بعض الأوروبيين بحثا عن المناخ الدافئ والجاف والرعاية الصحية.
وتأتي هذه التحركات بالتزامن مع توسع الدولة في تطوير منظومة الرعاية الصحية، وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، إلى جانب التوسع في الخدمات الطبية الموجهة للمرضى الدوليين.
وتندرج السياحة العلاجية ضمن مجالات يمكن أن تستفيد من الشراكات بين القطاعين وفقا لتوجهات إصلاح وتمويل القطاع الصحي في مصر.
الأقصر.. إرث تاريخي للسياحة العلاجية
ارتبطت الأقصر منذ القرن التاسع عشر بحضور عدد من الأوروبيين الذين أقاموا فيها لفترات طويلة، ومن بينهم كاتبة أدب الرحلات لوسي داف غوردون.
وكان المناخ الجاف والدافئ الذي تتميز به المدينة، إلى جانب مواقعها الأثرية، من العوامل التي ساهمت في جذب زوار أجانب إليها، حيث كان بعض القادمين إليها يبحثون عن ظروف مناخية مناسبة للاستشفاء، خاصة المصابين بأمراض الرئة.
ووصلت شهرة الأقصر آنذاك إلى حد دفع وكيل السفر البريطاني توماس كوك إلى افتتاح مستشفى لخدمة الأجانب والسكان المحليين، في خطوة عكست المكانة التي اكتسبتها المدينة كوجهة تجمع بين السياحة والإقامة والاستشفاء.
وكانت غوردون قد اتخذت من الأقصر موطنا لها وتوفيت في مصر، بينما زار البلاد في فترات مختلفة عدد من الشخصيات البريطانية والأمريكية، من بينهم فلورنس نايتنغيل وآرثر كونان دويل وزوجته.
مصر تستهدف حصة أكبر من سوق السياحة العلاجية
وتسعى السلطات المصرية إلى الاستفادة من هذا الإرث التاريخي بالتوازي مع تطوير منظومة حديثة للسياحة العلاجية، في ظل نمو الطلب العالمي على الخدمات الطبية التي تجمع بين العلاج والإقامة والسياحة.
وبحسب البيانات الواردة في المادة، بلغت قيمة سوق السياحة العلاجية العالمية نحو 34 مليار دولار العام الماضي، وفقا لشركة "غراند فيو ريسيرش".
وتستهدف مصر تعزيز قدرتها على المنافسة في هذا السوق أمام وجهات إقليمية رسخت حضورها في السياحة العلاجية، مثل تركيا والإمارات، مع التركيز على مجموعة متنوعة من الخدمات الطبية، تشمل الجراحات الكبرى وطب الأسنان والتجميل وغيرها من التخصصات.
موقع مصر يعزز فرص السياحة العلاجية
وتراهن مصر في هذا المجال على موقعها الجغرافي الذي يربط بين ثلاث قارات، إلى جانب ما تمتلكه من مقومات سياحية وأثرية وشاطئية، فضلا عن قطاع فندقي شهد توسعا خلال السنوات الماضية.
وتسعى الدولة إلى الجمع بين الخدمات الطبية والمنتج السياحي، بحيث يحصل المريض الدولي على الرعاية الصحية بالتزامن مع الاستفادة من المقومات الثقافية والترفيهية التي تتمتع بها مصر.
وفي هذا السياق، جرى العمل على خدمات إلكترونية تستهدف تسهيل حصول المرضى الدوليين على الخدمات الصحية، في إطار التوجه نحو تطوير تجربة الزائر منذ مرحلة طلب الخدمة وحتى الحصول على الرعاية الطبية.
"نرعاك في مصر".. مبادرة لدعم السياحة العلاجية
وتضطلع الهيئة العامة للرعاية الصحية بدور رئيسي في جهود تطوير السياحة العلاجية، من خلال مبادرة "نرعاك في مصر"، التي تستهدف جذب المرضى من الخارج وتوفير خدمات طبية متخصصة لهم.
وتدير الهيئة، وفقا للبيانات الواردة في المادة، نحو 400 منشأة طبية في مختلف أنحاء الجمهورية، تشمل مستشفيات ومختبرات وعيادات.
كما تعمل الهيئة على تطوير شبكة من خدمات السياحة العلاجية في عدد من الوجهات السياحية، من بينها أسوان وساحل البحر الأحمر والأقصر.
6 مستشفيات في الأقصر بخدمات فندقية
وتحتل الأقصر موقعا بارزا ضمن خطط السياحة العلاجية، لما تتمتع به من شهرة عالمية باعتبارها مدينة تضم معبد الكرنك ووادي الملوك، إلى جانب ارتباطها بتاريخ طويل مع السياحة والاستشفاء.
وتضم المدينة، وفقا للمادة، 6 مستشفيات مزودة بأجنحة فندقية، وتقدم خدمات طبية متخصصة في مجالات تشمل التوليد وطب الأطفال والأشعة.
ويستهدف هذا النموذج الجمع بين الرعاية الصحية والإقامة، بما يوفر للمريض الدولي تجربة متكاملة خلال فترة العلاج.
وقال أحمد السبكي، رئيس الهيئة العامة للرعاية الصحية، إن مصر قادرة على الجمع بين السياحة العلاجية والسياحة التقليدية، موضحا أن المريض الدولي يمكنه الحصول على خدمات صحية متقدمة مع الاستفادة في الوقت نفسه من المقومات السياحية والثقافية والترفيهية التي تتمتع بها البلاد.
ويعكس هذا التوجه محاولة الاستفادة من الطبيعة المتنوعة للمنتج السياحي المصري، وربط الخدمات الطبية بالوجهات الأثرية والساحلية والفندقية.
وشهدت أعداد المرضى الأجانب الذين استقبلتهم منشآت الهيئة العامة للرعاية الصحية ارتفاعا خلال السنوات الأخيرة.
وبحسب البيانات التي شاركتها الهيئة مع "بلومبرغ" كما ورد في المادة، استقبلت منشآت الهيئة 13,370 مريضا أجنبيا خلال العام الماضي، مقابل 2,075 مريضا في عام 2022.
وشملت قائمة المرضى نحو 124 جنسية، من دول عربية وأفريقية وآسيوية وأوروبية، إلى جانب دول في الأميركتين.
وتشير هذه البيانات إلى اتساع نطاق الجنسيات التي تستهدفها منظومة السياحة العلاجية في مصر، مع تنوع الأسواق المصدرة للمرضى.
خطة لإضافة 5 آلاف موقع طبي خلال 6 سنوات
وكشف أحمد السبكي عن خطة لإضافة 5 آلاف موقع طبي جديد خلال السنوات الست المقبلة، من خلال شراكات بين القطاعين العام والخاص، بحسب ما ورد في المادة.
ومن المقرر أن تشمل الخطة منشآت تقدم عددا من الخدمات الطبية التي تشهد طلبا، من بينها جراحات القلب والأوعية الدموية، وجراحات السمنة والتجميل، والإخصاب المجهري، إلى جانب خدمات طب الأسنان المتقدمة.
وتتوافق فكرة توسيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص مع توجهات إصلاح النظام الصحي في مصر، حيث تشير وثائق منظمة الصحة العالمية إلى أهمية الشراكات المنظمة مع القطاع الخاص في دعم التغطية الصحية الشاملة وتطوير الخدمات الصحية.
6 ملايين دولار إيرادات متوقعة للسياحة العلاجية
ورغم أن إيرادات السياحة العلاجية لا تزال محدودة نسبيا في الوقت الراهن، توقع السبكي، وفقا للمادة، أن تتجاوز الإيرادات الضعف لتصل إلى 6 ملايين دولار خلال العام الحالي، مقارنة بنحو 3.8 مليون دولار في 2025.
وجاءت هذه التوقعات في ضوء تسجيل نحو 8 آلاف مريض أجنبي حتى يوليو، بحسب البيانات الواردة في المادة.
ولا يوجد حتى الآن رقم موحد على مستوى مصر لإجمالي إيرادات السياحة العلاجية، نتيجة توزيع الإنفاق بين جهات مختلفة من مقدمي الخدمات الطبية في القطاعين العام والخاص، وعدم تجميع هذه البيانات ضمن نظام مركزي واحد.
تركيا والإمارات.. منافسة إقليمية في السياحة العلاجية
وتدخل مصر هذا السوق في ظل منافسة إقليمية من دول قطعت شوطا في تطوير السياحة العلاجية.
وتبرز تركيا باعتبارها إحدى الوجهات المعروفة في المنطقة في هذا المجال، خاصة في بعض الخدمات التي تقدم للمرضى الدوليين، بينما ترتبط الإمارات بتقديم خدمات الرعاية الطبية المتميزة والخدمات الفندقية الفاخرة.
ويرى إيمري أتشيكن، المؤسس المشارك لشركة "وي كيور" المتخصصة في السياحة العلاجية العالمية ومقرها لندن، أن مصر تحتاج إلى تطوير هوية واضحة ومميزة في هذا السوق، بدلا من الاكتفاء بمحاكاة تجارب الدول المنافسة، بحسب ما نقلته المادة.
رغم الفرص الاقتصادية التي تتيحها السياحة العلاجية، فإن هذا القطاع يرتبط بمجموعة من التحديات، من بينها ضمان جودة الخدمات الطبية، وحماية المرضى الدوليين، وتوفير آليات واضحة للمساءلة في حالة حدوث مضاعفات.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن النظام الصحي المصري يضم جهات متعددة من القطاعين العام والخاص، مع وجود تحديات تتعلق بتجزؤ تقديم الخدمات والحاجة إلى تعزيز التنسيق والحوكمة.
كما أن التوسع في جذب المرضى الدوليين يطرح تساؤلات حول كيفية الحفاظ على توافر الكوادر الطبية لخدمة المواطنين، خاصة إذا أدى نمو القطاع الخاص والسياحة العلاجية إلى زيادة الطلب على الأطباء والجراحين وأطقم التمريض.
الاستثمار في القطاع الصحي ودور القطاع الخاص
وتتمثل إحدى المهام الرئيسية للهيئة العامة للرعاية الصحية في تطوير منشآت الرعاية الصحية العامة، بالتوازي مع توجه الدولة نحو الاستفادة من الاستثمارات والشراكات الخاصة في القطاع الصحي.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن إصلاح منظومة الرعاية الصحية في مصر يستهدف تعزيز الوصول إلى خدمات صحية ذات جودة، مع تطوير الحوكمة والرقابة والشراكات مع القطاع الخاص.
ويبقى التحدي الرئيسي أمام توسع السياحة العلاجية هو تحقيق التوازن بين جذب المرضى والاستثمارات الأجنبية وبين ضمان استفادة منظومة الرعاية الصحية المحلية من هذا النمو، بما يدعم تطوير المنشآت والكوادر والخدمات الصحية داخل مصر.
ومع امتلاك مصر مزيجا من المقومات الطبية والسياحية والتاريخية، تبرز السياحة العلاجية كأحد المسارات التي تسعى الدولة إلى تطويرها، فيما ستحدد جودة الخدمات والتنظيم والقدرة على جذب المرضى الدوليين مدى توسع هذا النشاط خلال السنوات المقبلة.


