رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

«رجّع الحمار» .. أغرب النزاعات التي وصلت إلينا من مصر القديمة

Go Egypia

 

 

لم تكن حياة المصري القديم تدور فقط حول بناء المعابد والمقابر وتسجيل إنجازات الملوك، وإنما تركت لنا الآثار جانبًا آخر أكثر قربًا من تفاصيل الحياة اليومية؛ خلافات على الممتلكات، معاملات بيع وإيجار، ديون، ومشكلات بين الجيران وأصحاب المهن. ومن بين أكثر هذه التفاصيل طرافة، نزاعات ارتبطت بحيوان يبدو عاديًا في حياتنا اليوم، لكنه كان يمثل قيمة اقتصادية مهمة للمصري القديم: الحمار.

وتكشف سجلات دير المدينة، القرية التي عاش فيها العمال والحرفيون المتخصصون في تنفيذ المقابر الملكية، عن مجموعة من الأوستراكا والوثائق التي تناولت استئجار الحمير وإعادتها وملكيتها، بل ووصل الأمر في بعض الحالات إلى تسجيل نزاع قانوني حول حمار. وتعد هذه النصوص من أهم المصادر التي تكشف تفاصيل الحياة اليومية خارج عالم الملوك والنقوش الرسمية. 

الحمار.. وسيلة نقل لها ثمن

لم يكن الحمار بالنسبة إلى سكان دير المدينة مجرد وسيلة بسيطة لنقل الأشياء، وإنما كان أصلًا له قيمة اقتصادية واضحة. وتشير بيانات متحف تورينو إلى أن سعر شراء الحمار كان يتراوح بين 20 و40 دبنًا من النحاس، وهو ثمن مرتفع جعل استئجاره خيارًا شائعًا لدى سكان القرية بدلًا من شرائه. 

وهنا بدأت تظهر الحاجة إلى تسجيل عمليات الإيجار والتسليم والإعادة، خاصة أن الحيوان كان ينتقل من شخص إلى آخر، وقد يعود بعد مدة أو تحدث مشكلة بشأن حالته أو ملكيته.

عندما يتحول الإيجار إلى نزاع

ومن بين الوثائق اللافتة أوستراكون محفوظ في مجموعة متحف بيتري، يتكون من قطعتين من الفخار أعيد جمعهما، ويحمل نصًا هيراطيقيًا يسجل دعوى قضائية في السنة الـ28 من حكم رمسيس الثالث بشأن استئجار حمار. أي أن الأمر لم يتوقف عند اتفاق شفهي بين شخصين، وإنما أصبح موضوعًا لنزاع جرى تسجيله في وثيقة قانونية.

وتظهر قائمة أوستراكا دير المدينة وجود أكثر من وثيقة مرتبطة بالحمير؛ بينها نص عن استئجار حمار وإعادته، وأخرى عن نزاع حول استئجار حمار، بالإضافة إلى وثيقة تتعلق بالتعهد بتوفير حمار.

«رجّع الحمار».. وثيقة تسجل عملية التسليم

ومن متحف تورينو تأتي وثيقة أخرى أكثر بساطة في ظاهرها، لكنها تكشف الكثير عن طبيعة المعاملات اليومية. فالأوستراكون يسجل أن الشرطي أمنخاو أعاد الحمار إلى العامل نفرحتب في تاريخ محدد، بما يشبه إيصالًا أو مذكرة تثبت عملية إعادة الحيوان إلى صاحبه. 

وتمنح مثل هذه القطع الباحثين فرصة نادرة لرؤية المصري القديم بعيدًا عن الصورة التقليدية المرتبطة بالملوك والفراعنة؛ فهنا نرى موظفًا وعاملًا وحيوانًا مستأجرًا ومعاملة تحتاج إلى توثيق.

الحمار في «دفاتر» دير المدينة

ولا تتوقف الحكاية عند نزاع واحد. فقد جمع الباحثون عددًا كبيرًا من النصوص المتعلقة بالحمير في دير المدينة، وتتناول موضوعات مثل البيع والشراء، الإيجار، الملكية، الديون، النزاعات، وإعادة الحيوانات إلى أصحابها.

وتشير دراسة متخصصة في حمير دير المدينة إلى أن مجموعة المصادر الخاصة بها تضم 124 أوستراكا و3 برديات، وهو ما يعكس مدى حضور الحيوان في الحياة الاقتصادية للقرية.

بل إن بعض الوثائق تكشف أن النزاعات لم تكن مرتبطة بالملكية أو الإيجار فقط، وإنما وصلت إلى مسائل تتعلق بكيفية معاملة الحيوان، بما يعكس أن العلاقة بين الإنسان والحيوان كانت جزءًا من الحياة الاجتماعية والاقتصادية التي ترك المصريون القدماء آثارًا مكتوبة عنها.

ليست «خناقة على حمار» فقط

ورغم أن عنوان «الحمار بتاعي» يبدو طريفًا، فإن القصة في الحقيقة تحمل دلالة أكبر على طبيعة المجتمع المصري القديم.

فوجود وثائق تسجل خلافًا حول استئجار حمار يعني أن هناك معاملات اقتصادية منظمة، وأطرافًا لها حقوق والتزامات، ووسائل لتسجيل الاتفاقات والنزاعات. كما أن وصول هذه التفاصيل الصغيرة إلينا يوضح أن المصريين القدماء لم يوثقوا فقط الأحداث الكبرى، بل تركوا وراءهم قدرًا كبيرًا من «الأوراق اليومية» التي تسمح للباحثين بإعادة بناء تفاصيل حياتهم.

وكانت الأوستراكا، وهي قطع من الفخار أو الحجر استخدمت كوسيلة كتابة أقل تكلفة من البردي، من أهم هذه الوسائل. وفي دير المدينة تحديدًا تمثل الأوستراكا والبرديات واحدة من أكبر مجموعات السجلات اليومية الباقية من مصر القديمة. 

من الحمار إلى المحكمة.. صورة مختلفة للمصري القديم

وتكشف هذه الوثائق في النهاية أن المجتمع المصري القديم كان أكثر تعقيدًا مما توحي به الصور التقليدية التي تركز على الأهرامات والملوك والمعابد. فخلف هذه الآثار الضخمة كانت هناك حياة يومية مليئة بالتعاملات والمشكلات والخلافات.

وقد يكون الحمار في هذه القصة هو الطرف الأكثر طرافة، لكن الوثائق المرتبطة به تقدم مادة تاريخية شديدة الأهمية؛ لأنها تنقلنا من عالم الملوك إلى عالم الناس العاديين، حيث كان استئجار حيوان أو إعادته أو الاختلاف على ملكيته كافيًا لأن يترك أثرًا مكتوبًا ظل صامدًا آلاف السنين.

وهكذا، فإن عبارة «الحمار بتاعي» ليست مجرد عنوان ساخر لقصة من الماضي، وإنما يمكن أن تكون مدخلًا لفهم جانب كامل من المجتمع المصري القديم؛ مجتمع عرف الملكية والإيجار والعقود والنزاعات، واحتاج مثل المجتمعات الحديثة إلى توثيق الحقوق عندما يتحول الخلاف الصغير إلى قضية كبيرة.

 

تم نسخ الرابط