رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

من حفر داخل جسده؟ قصة البحث عن السر المدفون داخل أبو الهول

Go Egypia

 

 

يقف أبو الهول على هضبة الجيزة منذ أكثر من 4 آلاف عام، صامتًا أمام الأهرامات، بينما ظل وجود فتحات وشقوق وممرات في جسده وحوله وقودًا لعشرات الروايات التي حاولت تفسير ما قد يكون مخفيًا أسفل هذا الأثر الأشهر. فهل توجد بالفعل مدينة سرية تحت قدميه؟ أم أن الأسطورة سبقت الدليل العلمي بسنوات طويلة؟

أبو الهول.. حارس الجيزة الذي نُحت من الصخر

يعد أبو الهول واحدًا من أشهر آثار مصر القديمة، وقد نُحت مباشرة في صخر الهضبة خلال عصر الأسرة الرابعة، وتشير الأدلة الأثرية إلى ارتباطه بعهد الملك خفرع، صاحب ثاني أهرامات الجيزة. ويتخذ التمثال هيئة جسد أسد ورأس إنسان، في صيغة تجمع بين القوة الجسدية والرمزية الملكية.

ولا تكمن ضخامة أبو الهول في شكله فقط؛ إذ يبلغ طوله نحو 73.5 متر، بينما يصل عرضه إلى قرابة 19.3 متر، ويبلغ أقصى ارتفاع له حوالي 20 مترًا. 

ومع مرور آلاف السنين، لم ينجح الزمن في إخفاء كل تفاصيل التمثال، بل كشف عن مجموعة من الفتحات والشقوق والممرات التي أصبحت لاحقًا أساسًا لقصص كثيرة حول أسرار أبو الهول.

مدينة سرية تحت التمثال.. من أين بدأت الحكاية؟

تعود واحدة من أكثر الروايات إثارة إلى تقارير صحفية بريطانية قديمة، ثم عادت الفكرة إلى الواجهة مع كتابات الباحثين مالكولم هوتون وجيري كانون، اللذين طرحا احتمال وجود مدينة أو منظومة كبيرة من الأنفاق والممرات أسفل هضبة الجيزة وأبو الهول.

وقد تناولت صحف مصرية هذه الرواية في وقت سابق، مشيرة إلى أن أصحاب الفكرة ربطوا بين فتحات في أبو الهول وبين احتمال وجود ممرات تقود إلى منشآت مخفية تحت الأرض. 

لكن هنا تظهر النقطة الأهم: هذه الرواية لا تعني أن المدينة اكتُشفت بالفعل.

فحتى الدراسات الجيوفيزيائية التي بحثت عن تجاويف أسفل منطقة أبو الهول رصدت عددًا من التجاويف والشذوذات الجيولوجية، لكنها لا تقدم دليلًا على وجود «مدينة كاملة» أو شبكة ضخمة من الغرف كما تصفها الروايات المثيرة. 

ماذا يوجد بالفعل تحت أبو الهول؟

الغموض ليس من فراغ.فالدراسات والاستكشافات السابقة وثقت وجود شقوق وفتحات وممرات داخل جسم أبو الهول وفي المنطقة المحيطة به. ومن بين هذه العناصر ما يعرف بـ«الشق الكبير» الذي يمر في جسم التمثال، إلى جانب ممرات وفتحات ارتبط بعضها بأعمال استكشاف وترميم حديثة.

كما كشفت المسوحات الجيوفيزيائية عن وجود تجاويف في المنطقة الواقعة حول التمثال، بما في ذلك مناطق بالقرب من جانبيه وبين مخالبه. لكن وجود تجويف تحت الأرض لا يعني تلقائيًا وجود حجرة أثرية أو مدينة؛ فقد تكون هذه الفراغات مرتبطة بالتكوين الجيولوجي للصخر أو بأعمال الحفر القديمة والحديثة. 

وهنا تحديدًا يختلف العلم عن الأسطورة: الفراغ المكتشف يحتاج إلى إثبات أثري قبل أن يتحول إلى حجرة أو مقبرة أو مدينة.

الثقب أعلى الرأس.. باب إلى عالم مخفي أم أثر من تاريخ التمثال؟

من أكثر التفاصيل التي غذّت الأساطير وجود فتحة أعلى رأس أبو الهول.

وقد ارتبطت هذه الفتحة على مر الزمن بروايات عن مداخل سرية إلى داخل الرأس، بل وصل الأمر في بعض القصص إلى الحديث عن ممرات تؤدي إلى مناطق مخفية أسفل التمثال.

لكن التفسيرات التاريخية لهذه الفتحة أكثر تعقيدًا من ذلك؛ فقد عرف رأس أبو الهول تدخلات بشرية عبر القرون، كما ارتبطت الفتحة بأعمال استكشاف قديمة وترميمات لاحقة. وتذكر المصادر التاريخية أن الفتحة الموجودة أعلى الرأس أغلقت لاحقًا خلال أعمال الترميم في القرن العشرين. 

لذلك فإن تحويلها إلى «مدخل مؤكد لمدينة تحت الأرض» يتجاوز ما تسمح به الأدلة المتاحة.

هيوارد فيز.. عندما اقتحم البحث عن الأسرار جسد أبو الهول

ولم تكن الأساطير وحدها هي التي دفعت الباحثين والمغامرين إلى البحث داخل التمثال.

ففي عام 1837، أمر الضابط والباحث البريطاني هوارد فيز بإجراء عملية حفر في الجزء الخلفي من أبو الهول، بهدف معرفة ما إذا كان التمثال يحتوي على فراغات أو حجرات مخفية.

وبحسب السجلات التاريخية، وصلت عملية الحفر إلى عمق يقارب 27 قدمًا قبل أن تتعطل قضبان الحفر داخل الصخر. وجرت محاولات لإخراجها باستخدام البارود، قبل التخلي عن العملية وترك أجزاء من القضبان داخل التمثال.

وهذه الواقعة تحديدًا ساعدت على ترسيخ فكرة أن أبو الهول ربما يخفي شيئًا في داخله، رغم أن عمليات الاستكشاف اللاحقة لم تقدم دليلًا على وجود مدينة أسطورية أو شبكة ضخمة من الغرف السرية.

هل كانت هناك أنفاق فعلًا؟

نعم، توجد ممرات وفتحات وشقوق موثقة في جسم أبو الهول وحوله، لكن طبيعة كل فتحة وأصلها ووظيفتها تختلف من حالة إلى أخرى.

بعضها ارتبط بأعمال استكشاف قام بها باحثون في العصر الحديث، وبعضها قد يكون ذا أصل قديم، فيما ترتبط بعض الشقوق بالبنية الطبيعية للصخر نفسه.

وهذا التفصيل مهم للغاية؛ لأن وجود نفق أو تجويف أثري لا يساوي بالضرورة وجود «مدينة مفقودة».

لماذا تستمر أسطورة المدينة المخفية؟

ربما لأن أبو الهول نفسه يجمع كل عناصر اللغز.

تمثال ضخم منحوت في صخرة واحدة، عمره آلاف السنين، يقف بجوار أهرامات ما زالت تحيط بها أسئلة علمية وتاريخية كثيرة، بينما تخفي طبقاته الصخرية شقوقًا وفتحات وممرات جعلت الخيال الشعبي يذهب أبعد مما تقوله الأدلة.

وفي السنوات الأخيرة، ظهرت أيضًا ادعاءات أخرى حول وجود منشآت ضخمة أو حتى «أبو الهول ثانٍ» مدفون أسفل هضبة الجيزة، لكن هذه المزاعم بقيت محل جدل ولم تُثبت باكتشاف أثري ميداني مؤكد.

الحقيقة التي لا تقل إثارة عن الأسطورة

حتى الآن، لا يوجد دليل أثري موثوق يثبت وجود مدينة كاملة تحت أبو الهول، ولا توجد أدلة مؤكدة على وجود شبكة ضخمة من الممرات تقود إلى حضارة مخفية أسفل التمثال.

لكن ذلك لا يعني أن كل ما يتعلق بالجزء السفلي من أبو الهول معروف بصورة كاملة؛ فالدراسات الجيوفيزيائية أثبتت وجود تجاويف وتباينات في الصخور حول التمثال، كما أن تاريخ الاستكشافات والحفر داخل جسمه يكشف عن اهتمام استمر قرونًا بمحاولة معرفة ما تخفيه هذه الكتلة الحجرية الضخمة. 

وهنا تكمن المفارقة: أبو الهول لا يحتاج إلى مدينة أسطورية حتى يكون واحدًا من أكثر آثار العالم غموضًا.

فما هو مثبت بالفعل يكفي لصناعة قصة مذهلة؛ تمثال عمره أكثر من أربعة آلاف عام، نُحت في صخر هضبة الجيزة، ارتبط بالملك خفرع، واحتفظ داخل جسده وحوله بفتحات وشقوق وممرات شهدت عمليات استكشاف وترميم عبر القرون. أما «المدينة المفقودة» فتظل حتى الآن في منطقة أخرى تمامًا: منطقة الفرضيات والروايات المثيرة، إلى أن يظهر يومًا دليل أثري مباشر يستطيع أن يحسم السؤال الذي ظل يطارد أبو الهول: ماذا يوجد فعلًا تحت هذا الحارس الحجري؟

تم نسخ الرابط