رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

3أقنعة من تل المسخوطة تفتح لغزًا لهوية أصحابها وتكشف أسرار الفن المصري

وجوه مصرية قديمة
وجوه مصرية قديمة

ثلاثة وجوه حجرية، ملامحها مختلفة، لكنها تحمل في الوقت نفسه إحساسًا غريبًا بالتشابه.. هكذا تبدو ثلاثة أقنعة ملكية من الحجر الجيري عُثر عليها في منطقة تل المسخوطة، لتطرح أمام الزائر لغزًا أثريًا لافتًا حول أصحابها والهدف من صناعتها وطريقة تمثيل الملامح الملكية في مصر القديمة.

وتكتسب هذه الأقنعة أهمية خاصة مع عرضها حاليًا ضمن معرض مؤقت في المتحف المصري بالتحرير، تحت عنوان «بوابة مصر الشرقية»، والمخصص لعرض جانب من نتائج حفائر المجلس الأعلى للآثار، وهو ما يمنح الجمهور فرصة لمشاهدة قطع ربما لا تكون حاضرة دائمًا في العرض المتحفي التقليدي.

وجوه مختلفة.. وشخصية واحدة محتملة

النظر إلى الأقنعة الثلاثة يكشف اختلافًا واضحًا في تفاصيل الوجه؛ فشكل العينين والأنف والفم لا يبدو متطابقًا من قناع إلى آخر، وهو ما يمكن أن يفتح احتمال أنها تمثل أشخاصًا مختلفين.لكن في المقابل، فإن التشابه في الأسلوب العام وطريقة تشكيل الوجه والخامة المستخدمة يجعل احتمال ارتباطها بشخصية واحدة أمرًا لا يمكن استبعاده بشكل قاطع.

وهنا تظهر واحدة من أكثر النقاط إثارة في هذه القطع؛ فهل كان الفنان المصري القديم يعيد تصوير الشخص نفسه أكثر من مرة؟ وهل يمكن أن تكون الاختلافات نتيجة لاختلاف الفنان أو المدرسة الفنية أو حتى المرحلة العمرية التي أراد النحات التعبير عنها؟

هذه الأسئلة تظل مرتبطة بقراءة القطع في سياقها الأثري والنقوش والعناصر المصاحبة لها، ولذلك لا يمكن الجزم من الملامح وحدها بأن الأقنعة الثلاثة تصور ملكًا واحدًا أو ثلاثة ملوك مختلفين.

الحجر الجيري.. خامة تحمل تفاصيل دقيقة

صنعت الأقنعة من الحجر الجيري، وهي خامة ارتبطت بالعمارة والنحت في مصر القديمة، وسمحت للفنان بإظهار تفاصيل الوجه وتكويناته بصورة واضحة.

وتكشف الأقنعة عن اهتمام المصري القديم بتصوير الوجه باعتباره جزءًا أساسيًا من هوية الشخص، خصوصًا عندما يرتبط العمل الفني بشخصية ذات مكانة دينية أو ملكية.

واللافت هنا أن اختلاف الملامح لا يعني بالضرورة اختلاف الهوية؛ فالفن المصري القديم لم يكن دائمًا قائمًا على نسخ الوجه بطريقة فوتوغرافية، وإنما جمع بين التقاليد الفنية والرمزية وبين بعض السمات التي يمكن أن تشير إلى الشخص المصوَّر.

تل المسخوطة.. موقع ارتبط بتاريخ شرق الدلتا

ولا يمكن فصل أهمية الأقنعة عن الموقع الذي خرجت منه؛ فتَل المسخوطة يقع في منطقة وادي الطميلات بمحافظة الإسماعيلية، ويُعد من المواقع الأثرية المهمة في شرق الدلتا.

وتشير المعلومات المنشورة عن الموقع إلى ارتباطه بمدينة «بر آتوم» أو «بيثوم»، كما شهدت المنطقة اكتشافات أثرية متعددة تنتمي إلى فترات تاريخية مختلفة، وهو ما يعكس أهميتها باعتبارها نقطة تقع على طرق الحركة والتجارة والاتصال بين وادي النيل والمناطق الشرقية.

كما عُثر في تل المسخوطة على آثار متنوعة، من بينها تماثيل لرمسيس الثاني وتوابيت وقطع أثرية تعود إلى عصور مختلفة، بما يؤكد أن الموقع لم يكن مجرد تجمع أثري محدود، وإنما شهد نشاطًا عبر فترات زمنية متعاقبة.

لماذا تظل الأقنعة لغزًا؟

تكمن جاذبية الأقنعة الثلاثة في أن الإجابة لا تبدو جاهزة أمام الزائر؛ فالملامح المختلفة تطرح احتمال تعدد الأشخاص، بينما التشابه في الصياغة والخامة يترك الباب مفتوحًا أمام فرضية أخرى.

وقد تكون هذه الاختلافات انعكاسًا لتطور أساليب النحت أو لاختلاف الفنانين، وقد تكون مرتبطة بمحاولات متعددة لتمثيل شخصية واحدة، لكن إثبات أي من هذه الاحتمالات يحتاج إلى دراسة أثرية وفنية دقيقة تشمل سياق الاكتشاف والمقارنة مع القطع المعاصرة لها.

ومن هنا يتحول عرض الأقنعة من مجرد مشاهدة لثلاث قطع حجرية إلى تجربة أقرب إلى حل لغز تاريخي؛ فكل تفصيلة في العين أو الأنف أو الفم قد تحمل مفتاحًا لفهم هوية أصحابها، بينما يظل السياق الأثري هو العنصر الأهم في الوصول إلى تفسير علمي.

«بوابة مصر الشرقية» تعيد تقديم كنوز الحفائر للجمهور

ويمنح المعرض المؤقت «بوابة مصر الشرقية» فرصة لإعادة تقديم مجموعة من القطع المرتبطة بحفائر المجلس الأعلى للآثار، وتسليط الضوء على المواقع الأثرية الواقعة في شرق مصر، وهي مناطق لعبت أدوارًا مهمة في تاريخ البلاد.

وبينما يقف الزائر أمام الأقنعة الثلاثة، يبقى السؤال الأكثر إثارة حاضرًا: هل نحن أمام ملك واحد أعيد تصويره بملامح مختلفة، أم أمام ثلاثة أشخاص ينتمون إلى السياق نفسه؟

حتى تحسم الدراسات الأثرية هذه المسألة، تظل الأقنعة الثلاثة واحدة من القطع التي تمنح المتحف المصري بالتحرير فرصة لعرض جانب من الأسئلة التي تجعل علم الآثار أكثر من مجرد عرض للقطع القديمة؛ فهو بحث مستمر في الهوية والزمن والحكايات التي تركها المصريون القدماء خلفهم في الحجر.

تم نسخ الرابط