رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

هرم هوارة غارق في المياه منذ2004.. من المسؤول عن ترك أثر عمره3800سنة؟

هرم هوارة
هرم هوارة

أكثر من 20 عامًا مرت على أزمة المياه الجوفية في هرم هوارة بالفيوم، والمشكلة التي بدأت في الظهور بوضوح منذ نحو عام 2004 ما زالت حاضرة حتى اليوم، بينما ظل الهرم مغلقًا أمام الزيارة لفترات طويلة.. فهل تحولت الأزمة من مشكلة مؤقتة إلى خطر مزمن على الأثر؟

الحديث عن هرم هوارة عاد إلى الواجهة مؤخرًا، بالتزامن مع مناقشة أزمته في ندوة بالمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية، ليطرح من جديد سؤالًا قديمًا لم يجد إجابة حاسمة حتى الآن: لماذا لم تنجح كل هذه السنوات من المتابعة في إنهاء أزمة المياه التي تحاصر الهرم؟

المثير للجدل أن المشكلة ليست جديدة، ولم تظهر فجأة، بل سبق رصدها والتحدث عنها منذ سنوات، بل إن متابعات صحفية قديمة وثقت وصول المياه إلى مستويات مرتفعة داخل منطقة الهرم.

2004.. بداية الأزمة التي لم تنتهِ

بحسب ما تم تداوله ومتابعته على مدار السنوات، تعود أزمة هرم هوارة مع المياه إلى نحو عام 2004، أي أننا أمام أكثر من عقدين من المشكلة.

وفي عام 2009، تم تناول حالة الهرم ومشكلة المياه الجوفية والصرف الزراعي المحيط به، بعدما ظهرت مؤشرات على ارتفاع منسوب المياه إلى مستويات تثير القلق على الموقع.

ثم تكرر الحديث عن الأزمة خلال أعوام 2011 و2012 و2019، دون أن تختفي المشكلة بصورة نهائية.

وفي 2019، جاءت تصريحات لمسؤول آثار الفيوم آنذاك لتكشف حجم الأزمة، عندما أشار إلى أن الهرم ما زال يعاني من مياه الصرف الزراعي وأنه مغلق منذ أكثر من 15 عامًا.

وهنا يصبح السؤال أكثر إحراجًا: إذا كانت المشكلة معروفة منذ سنوات طويلة، فلماذا لا يزال الهرم يعاني منها؟

هرم أمنمحات الثالث في مواجهة المياه

هرم هوارة ليس أثرًا عاديًا يمكن التعامل مع تلفه باعتباره خسارة محدودة.

فالهرم يرجع إلى عهد الملك أمنمحات الثالث، وشُيد خلال عصر الدولة الوسطى قبل نحو 3800 عام.

أي أن البناء الذي صمد آلاف السنين أمام تغيرات الزمن والحضارات، أصبح في العقود الأخيرة محاصرًا بمشكلة ترتبط بالمياه الجوفية والصرف الزراعي.

والمفارقة هنا أن الخطر لا يأتي من عامل واحد واضح يمكن إزالته بسهولة، وإنما من منظومة مائية وبيئية تحيط بالموقع.

مياه راكدة وروائح كريهة.. مشهد لا يليق بأثر ملكي

خلال زيارة للموقع في عام 2011، تم رصد المياه في منطقة مدخل الهرم بمستويات مرتفعة، مع وجود مياه راكدة لفترات طويلة.

وبحسب ما تم رصده آنذاك، تحولت أجزاء من المنطقة إلى ما يشبه المستنقعات، مع روائح كريهة نتيجة ركود المياه.

وهنا لا يتعلق الأمر فقط بمشهد مؤلم لأحد الآثار المصرية، وإنما بالسؤال عن تأثير هذه المياه على ما تبقى من الهرم ومكوناته.

فالمياه المستمرة يمكن أن تؤثر في التربة والمواد الأثرية، بينما قد يؤدي وجود مواد ناتجة عن الصرف الزراعي إلى زيادة تعقيد المشكلة.

ترعة قريبة.. وأراضٍ زراعية تحاصر الأثر

خلال السنوات الماضية، طُرحت ترعة عبد الله وهبي باعتبارها أحد العوامل المرتبطة بمشكلة المياه في المنطقة، خاصة مع وجود خطط سابقة لتوسعتها.

لكن المفارقة أن المنطقة الأثرية اعترضت حينها على أعمال التوسعة خشية أن تؤدي إلى زيادة منسوب المياه الجوفية بالقرب من الهرم.

وفي الوقت نفسه، لا تبدو الترعة وحدها هي المشكلة.

فهناك أراضٍ زراعية ملاصقة للنطاق الأثري، وتتحرك مياه الري والصرف في محيط الهرم، وهو ما يجعل الملف أكثر تعقيدًا.

إذن إذا كانت مصادر المياه معروفة أو محل دراسة منذ سنوات.. فأين الحل؟

هل أصبح الإغلاق هو الحل؟

منذ سنوات طويلة ظل هرم هوارة مغلقًا أمام الزيارة بسبب حالته، لكن الإغلاق في حد ذاته لا يوقف المياه ولا يعالج مصدرها.

وهنا تظهر المفارقة: الأثر مغلق لحمايته، لكن العامل الذي أدى إلى الإغلاق ما زال موجودًا.

فهل يمكن اعتبار الإغلاق إجراءً وقائيًا مؤقتًا، أم أنه تحول مع مرور السنوات إلى بديل عن الحل الحقيقي؟

السؤال ليس موجهًا إلى جهة بعينها بقدر ما يعكس حجم المشكلة: ماذا حدث خلال أكثر من 20 عامًا منذ بداية الأزمة؟

لماذا لم يتم التعامل مع المشكلة من جذورها؟

إذا كانت المياه تصل إلى الهرم من مصادر محيطة، فإن سحب المياه الموجودة داخل الموقع فقط لن يكون كافيًا.

الحل يحتاج إلى معرفة مسار المياه ومصادرها، ودراسة تأثير الأراضي الزراعية والترع وشبكات الصرف، ثم وضع نظام متكامل للتحكم في منسوب المياه.

وهذا يعني أن القضية ليست قضية ترميم أثري فقط، وإنما قضية هندسية وبيئية وزراعية وأثرية في الوقت نفسه.

وربما يكون هذا أحد أسباب تعقيد الوصول إلى حل نهائي، لكن التعقيد لا يفسر وحده بقاء المشكلة لأكثر من عقدين.

من يحاسب الزمن؟

المفارقة الأبرز أن هرم هوارة صمد قرابة أربعة آلاف عام، بينما لم تستطع خطط الحماية الحديثة، حتى الآن، إنهاء أزمة استمرت نحو 20 عامًا.

وهنا لا يتعلق الأمر فقط بإعادة فتح الهرم أمام الزائرين، وإنما بالسؤال الأهم: ماذا سيحدث للأثر إذا استمرت الظروف نفسها لسنوات أخرى؟

فكل عام يمر مع استمرار المياه يعني مزيدًا من الوقت الذي يتعرض فيه الموقع للعامل نفسه الذي حذرت منه المتابعات السابقة.

الأزمة ليست جديدة.. لكن السؤال جديد

المطلوب اليوم ليس إعادة اكتشاف أن هرم هوارة يعاني من المياه.

هذه الحقيقة معروفة منذ سنوات.

المطلوب هو معرفة ماذا تم تنفيذه بالفعل، وما الذي نجح، وما الذي فشل، ولماذا لم يصل الملف إلى حل نهائي حتى الآن؟

وهل توجد دراسة حديثة وشاملة تحدد مصادر المياه بدقة؟ وهل هناك خطة زمنية واضحة للتعامل معها؟ ومتى يمكن أن يعود الهرم إلى الزيارة إذا نجحت أعمال الحماية؟

هذه الأسئلة أصبحت أكثر إلحاحًا مع عودة الحديث عن الهرم في الفترة الحالية.

والسؤال الذي لا يمكن تجاهله:

هرم عمره نحو 3800 عام نجا من آلاف السنين.. فهل يعقل أن تكون المياه الجوفية ومياه الصرف الزراعي أخطر عليه من كل ما مر به عبر التاريخ؟

تم نسخ الرابط